الصفحة 38 من 408

في جوهره، مهما استمر الدبلوماسيون في لقاءاتهم. اذ كيف يمكنهم الإقناع، وهم لا يتكلمون لغة واحدة؟ وفي حال انعدام الإتفاق القائم على أساس طلب معقول، يقتصر الإجتماع الدبلوماسي على اجترار عقيم للمواقف الأساسية، وعلى تبادل التهم بسوء النية، أو التعجيز أو التخريب. وتتل عندئذ مهزلة ذكية ومعقدة، ويحاول فيها كل من الممثلين الرئيسيين أن يجتذب لجانبه أيا من الحاضرين المترددين.

ويصعب على الدول التي تعيش، منذ زمن طويل، في السلم، والتي لم تعرف الكوارث الوطنية، أن تحفظ الدرس بسهولة. فهي بحکم اطمئنانها إلى استقرار يبدو لها واجب الديمومة، لا تستطيع حمل التصريحات المدوية التي تطلقها الدولة الثورية العاملة على تحطيم النظام القائم، محمل الجد. وأول ردود فعل لدى مناصري الوضع القائم، هي اعطاء هذه التصريحات قيمة تكتيكية، كما لو أن القضية لا تعدو أن تكون مجرد تمهيدات أولية لمساومة ما، لا تمس بالبنيات القائمة. ويظنون أن التنازلات المحدودة تكفي لحل مشكلة الأضرار الخاصة التي يشكو منها الفريق الأخر. وينعت الذين يشيرون إلى الخطر، في الوقت المناسب، بالثعاب. وبالمقابل يعتبر انصار التكيف مع الظروف، موزونين عقلية وذوي حكم سليم. أوليس و المنطق، بجانبهم، أو بصورة أدق، ما يبدو هو. المنطق، في إطار البنيات القائمة؟ واذا لم يتعلق الأمر بتكتيك تمييعي، فإن سياسة و التسوية، تنتج عن عجز في مواجهة خصم لا يريد أن يفرض أي حد لمطامعه.

وبالمقابل، إنه لمن طبيعة الأشياء بالنسبة إلى دولة ثورية، أن تكون لها الجرأة بمقدار قناعاتها. فهي على استعداد، بل هي متحرقة لكي تسير بالمبادئ التي تحركها، إلى غاياتها القصوى. فضلا عن ذلك، مهما كانت النتائج التي يمكن أن تحصل عليها دولة ثورية، فإنها تنزع على الأقل، إلى قلب المعادلة والمقياس اللذين طبعا سير البنيات الدولية المعتبرة شرعية، رأسا على عقب، هذا إن لم تنزع إلى إضعاف هذه البنيات.

وإذا كانت ميزة نظام مستقر هي بداهته وعفويته، فإن جوهر الوضع الثوري يقوم على وضع، متضايق، إن أمكن القول.

وعندما تسود الشرعية، فإن العقد الإجتماعي يكون مندمجة فيها، إلى حب تنتفي معه الحاجة إلى الكلام بشأنها.

وعندها تحمل الأجيال اللاحقة على القول بأن الحقبة هي حقبة ساكنة، وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت