فهرس الكتاب
عن ذلك أنه إذا كان القيصر مخلصا حقا عندما يتحجج بالتزاماته الأدبية، فإنه يفتح الطريق أمام صراع ثوري، أي مرتكز على إرادة القوة فقط.
وبدت سلسلة المحادثات التي دارت بين کاستلري والكسندر غريبة وتافهة. غريبة لأن مرارة الأحاديث المتبادلة اقترنت بادعاءات صداقة خالدة. وعديمة الجدوى لأن المفاوضين لم يمكنها مطلقة وضع أسس اتفاق. فالزعيمان، أثناء بحثهما عن إطار للمفاوضات، كانا يغيران موقفيهما باستمرار، على أساس أن كلا منها كان يحاول أن يتبين موقف الآخر، ولكن بعد تأويله بشكل يجعله مستحيلا. وهكذا، في لحظة معينة، بدا کاستلري كمحازب شجاع البولونيا مستقلة، استقلالا ناجزة، في حين أن القيصر قدم خطته، في لحظة أخرى، كمساهمة منه في ضمان أوروبا وأمنها.
وبدا الروسي متمسكة بإصرار بمطالبه على أساس ما تتميز به مبادئه من استقامة خلفية، وذلك من أول حديث له مع الوزير الإنكليزي في اليوم التالي لوصول هذا الأخير (1) . ولأول مرة أفصح القيصر عن مطامحه البولونية. وتشير خطته إلى احتفاظ روسيا بکامل دوقية فرصوفيا باستثناء قسم صغير يعطى إلى بروسيا عملا بمعاهدة كاليز. وقال القيصر: ليس للطموح أي مكان في هذا، بل هو الواجب الأدبي. إن رغبته الوحيدة هي العمل من أجل إسعاد البولونيين. ولم تكن خطته في مجملها ترمي إلى التذرع باعتبارات أمنية، كما أنها لم تكن تشكل تهديدا ضد أي كان. أما کاستلري فقد اشار بالمقابل إلى التهديد الذي يمكن أن تشكله بولونيا الدستورية بالنسبة إلى طمانينة ما تبقى من الممتلكات البولونية في بروسيا وفي النمسا. ثم طرح هذه الفكرة للنقاش بان بولونيا المستقلة ستكون مر?بأ بها، حتى من جانب النمسا وبروسيا، في حين أن راس جسر روسي متقدم في العمق من أوروبا الوسطى سيكون مصدرا دائأ للقلاقل. ولم بکن بنية الفيصر، مع ذلك، إخلاء بولونيا لتشكل هذه دولة مستقلة فعلا، وهو لم يترك أي مجال للشك حول هذا الأمر. وهكذا لم يفد اللقاء الأول بين الروسي والإنكليزي لا في إبراز الإزدواجية المتأصلة لدى الكسندر ولا التناقض الكبير الذي يباعد بين مواقف المفاوضين.
وتجدد الخلاف، في 13 تشرين الأول، عندما حاول القيصر أن يدحض مزاعم
ـــــــــــــــــــــــــــــ