فهرس الكتاب
کاستلري حول بولونيا الروسية التي تمثل تهديدا للتوازن الأوروبي (1) ومع تسليم الكسندر بأن مطالبه الأخلاقية تحددها مقتضيات السلامة والأمن فإنه لم يتردد في التذرع بهذه المقتضيات، عندما تبدو له موافقة لرغباته، ولهذا قدم هذه الحجة العجيبة بأن مشروعه البولوني بدلا من أن يوسع السيطرة الروسية، فإنه يضعف قوة روسيا لأنه يقضي بتراجع القوات الروسية المرابطة وراء نهر النيمن. عندها أجاب کاستلري بأن الأمن يتعلق بقدرة الدولة ككل وليس بتحركات جيوشها. فكان أن تذرع القيصر، مرة أخرى، بحصنه الأخلاقي.
وعبثا حاول کاستلري أن يبرز تناقضات محدثة؛ وإن مبادئه العظيمة تعمل في جهة من جهات خط التقسيم دون الأخرى؛ وإن التزاماته الأدبية تنطلق من مصلحة الدولة العليا، وعندما اضطر الوزير الإنكليزي إلى القول: «إن الأمر يتعلق، بصورة مطلقة، بمزاج جلالتكم ... أن يكون هذا المؤتمر رحمة للإنسانية أو أن يتحول ... إلى صراع مرير على السلطة، فإنه يكون قد دلل على نفاذ صبره من عدم إمكانية التفاهم مع القيصر حول ما كان يبدو له مطلبأ معقولا. وعندما رد هذا بأن هناك جلا واحدا فقط، ناتجة عن احتلاله المادي الفعلي لبولونيا، فقد بدا جليا أن الجميع توصلوا إلى الطريق المسدود (2) . وبعدها تبين بأن الإقناع لا يؤدي إلى شيء، وأن العلاقات يجب أن ترتكز على القوة، أو على التهديد باللجوء إليها.
وأثناء تفاوضه مع القيصر، لم ينفك کاستلري يسعى لتجميع عناصر هذه القوة التي قد يحتاج إليها. إن المسألة الدبلوماسية التي تواجهه تبدو بسيطة من الناحية التجريدية الخالصة. فإذا كانت الطامح الروسية تهدد التوازن الأوروبي، فإن التدبير المعاكس المطلوب يبدو أكيدة وهو: تعبئة موارد أوروبا ضد القيصر. ذلك أنه حتى ولو كان التوازن الأوروبي واحدة وغير قابل للتجزئة، فإنه لا يبدو كذلك بالنسبة إلى كل عنصر من عناصر هذا التوازن. ومقاومة روسيا لا تصبح ممكنة مالم تتكون جبهة مشتركة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(2) استمر النقاش، طيلة شهر تشرين أول، عن طريق تبادل المذكرات الدبلوماسية: کاستلري إلى القيصر 1814