فهرس الكتاب
من بقية أوروبا. إلا أن دول القارة لم تكن لتتفق حول طبيعة الخطر. فهي على الرغم من عدم رغبتها في الإخلال بالتوازن، ليست مستعدة أن تضحي من أجله بأراض تعتبرها ملكها بحكم التاريخ. قد يكون من الممكن أن تسيطر روسيا القوية على أوروبا، ولكن إذا أصبحت بروسيا قوية جدا، فهي تسبق النمسا، أما ألمانيا الموحدة فيمكن أن تشكل تهديدا لفرنسا.
وبدا کاستلري بطل التوازن العام، الوحيد، لأنه ممثل دولة جزيرية ليس لها مواقع واراض في القارة تدافع عنها. أما هاردنبرغ، زميله البروسي، فكان يهتم بالساكس أكثر من اهتمامه ببولونيا. وأما تاليران فكان يخشى تقريبا، أن تسؤى المسألة البولونية بدونه أو ضده، وأما مترنيخ فكان موقفه معقدة بمثل تعقيدات المشاكل التي تحاصر النمسا. وهذه الأخيرة لن تكون غير مبالية بتوسع روسي في أوروبا الوسطى، لأن وضع آل هابسبورغ الأوروبي سيكون عندئذ مهددة. وكذلك الحال بالنسبة إلى توسع بروسيا في قلب ألمانيا، الأمر الذي يضر بالموقف الألماني في فيينا. إن الموقع الجغرافي للنمسا يمنعها، في جميع الأحوال، أن تعارض علنا، لأن العبء الأكبر يقع على عاتقها، ولأنها الدولة الأكثر تعرضا للخطر، وإذن يتوجب عليها التوقف عن سياسة التعاون الضيق مع بروسيا، التي يعتبرها مترنيخ حجر الزاوية في أمن بلاده. والحل الأسهل هو إعطاء بروسيا مقاطعاتها البولونية، لقاء استقلال الساكس. ولكن مجرد التفكير بهذا الأمر عبث قبل هزيمة القيصر، إلا أن هذه الهزيمة، بدورها، لا تتم بدون مساندة من بروسيا، مساندة تربطها برلين بموافقة فيينا على استلحاق الساكس. ومن جهة ثانية، لا يستطيع مترنيخ من دون مساندة انكلترا أو فرنسا، معارضة خطط بروسيا في الساكس. وإذا كان كاستلري مستعدة للدفاع عن مصالح أوروبا في مجملها، فإنه غير مستعد للدخول في خصام مع الألمان.
أما مساندة فرنسا، فاللجوء إليها بعد تعثر المفاوضات، لن يتم إلا بناء على توجس الدول الثانوية من ألمانيا.
ولما كان الظرف كما هو، فقد قرر مترنيخ التأجيل والمماطلة. وهكذا استطاع أن يستفيد من الورقة التي بين يديه أثناء المفاوضات، ومفادها أن موافقة النمسا تكون ضرورية إذا أرادت الدول الأخرى أن تجعل استلحاقاتها مشروعة. وها هو يسقط مريضة بحيث لا يمكن الإتصال به طيلة أسابيع. وعندما شفي أخيرة، تتابعت الأعياد عيدأ بعد عيد، وانصب الإهتمام بشكل خاص على جولاته الترفيهية وعلى اهتماماته