الصفحة 390 من 408

ولم يترك جواب ليفربول، على كل حال، أي لبس حول اهتمام الوزارة البريطانية: فهي تخشى فرنسا أكثر من خشيتها روسيا، وأنها تخشى الحرب أكثر من أي تهديد للتوازن فيها بين القوى المتصارعة. وبهذا المعنى يقول رئيس الوزراء البريطاني، أن أية حرب يمكن أن تنقلب الى صراع ثوري، في حين أن سنتين فقط من السلم تثبتان فعلا الإستقرار بحيث تصبح الحروب المحدودة من غط القرن الثامن عشر، هي القاعدة، من جديد. في 22 تشرين الثاني أرسلت الوزارة البريطانية تعليماتها إلى کاستلري وكانت هي التعليمات الأولى التي تلقاها هذا منذ وصوله إلى فيينا. كتب با تورست ما يلي: (من النافل لفت نظركم إلى أنه من المستحيل زج بريطانيا في حرب بسبب أي من المسائل الموضوعة على بساط البحث حتى الأن في فيينا ..

وهكذا وجد کاستلري نفسه، عند نقطة الحسم في المفاوضات، عارية من وسيلة الضغط الوحيدة، وذلك في الوقت الذي كان الحكم فيه للقوة المطلقة. إن مماطلات مترنيخ كانت تدفع ببروسيا إلى اتخاذ مبادرات غير مدروسة , وكذلك أصبح وضع برلين الأدبي والمادي هشأ ولهجتها أقسى. وهدد مجلس الأركان بصواعق الحرب حتى أن هاردنبرغ المعتدل ظن أنه من الواجب التلميح إلى التدابير القصوى التي هي قيد الدرس. ولكن إذا كانت الحيازة غير المستندة إلى الشرعية هي وهم، فالشرعية التي لا تستند إلى القوة ليست إلا خرافة. ولم يفعل کاستلري في هذا الإطار إلا أنه حدد مأزق بروسيا عندما صرح أمام هاردنبرغ أن هذا الأخير: «لا يمكنه القبول بمطالبة ليس لها أساس معروف، وأنه أمام وجدانه وأمام شرفه لا يستطيع مطلقا الإحتجاج برفض الإعتراف لكي يعلن الحرب» . ولما كان الوضع كما هو عليه فإن كاستلري لم يكن يعتزم الإنصياع لتعليمات لندن. لأن الإعلان بأن بريطانيا لا تهتم بالأمر يعني نسف الضابط الأقوى في لجم الحرب. والوزارة البريطانية بحكم اهتمامها بضمان السلم، ربما تعمل من حيث لا تدري للوقوع بما تخشاه. فضلا عن ذلك قد يؤدي تخلي إنكلترا إلى استسلام النمسا وبالتالي إلى اختلال التوازن الأوروبي اختلالا تام.

ومرة أخرى تواجد کاستلري ومترنيخ على خط واحد، بعد أن حدد النمساوي الذكي الإطار الأخلاقي للصراع. وكلما ازدادت بروسيا تصلبأ كلما ازداد موقف مترنيخ قوة. ودوما رجوع إلى التجريدات القولية بدت النمسا وكأنها حامية الدول الصغرى وعندما اقترح مترنيخ اتفاقا مع البافيير والهانوفر وتشكيل جامعة جرمانية بدون بروسيا فإنه لم يتعد رغبة الجميع. وفي الحين الذي تم فيه الإنجاه نحو عنصر القوة استطاع الوزير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت