الصفحة 392 من 408

النمساوي أن يقف في موقع يجعله قادرا على مقاومة مطالب يمكنه وصفها بأنها مسرفة وجائرة، وكلما اقترب موعد اللجوء إلى القوة أصبح من اللازم استنفار جميع الموارد المتاحة، وهكذا كلما أخذت تنهار مواقع الحلف الأخيرة كلما ازداد بروز تاليران على المسرح، وبروزه کان بناء على قرار من مترنيخ، أما بلاغته فيما كانت إلا قناعة يتستر به النمساوي لأن هذا الأخير لم يشأ أن يظهر بمظهر الذل لبروسيا. وأصر مترنيخ على أن يتم كل شيء بشكل اعتيادي وهذا هو الشكل الوحيد، بحسب رأيه الذي يقلل من خطر البدع الفردية. أما تاليران فقد كان يفضل أن يرى في الأمر طابع الإرادة: وهكذا پشت وضعه المقلقل في فرنسا.

وسنحت له الفرصة. بفضل مترنيخ، الذي أعلمه بجواب النمسا في 10 کانون الأول إلى هاردنبرغ، وفيه يشير إلى أن الأربعة الكبار لم يستطيعوا التوصل إلى حل بأنفسهم - وأجاب تاليران وكان جوابه جوابأ حاسا قاطعة. وتؤكد مذكرته على اسبقية الشرعية وتقدمها على مقتضيات التوازن. كما تنكر وترفض إمكانية إسقاط الملوك عن عروشهم بسبب أن هؤلاء لا يمكن إحالتهم أمام القضاء، وبصورة خاصة من قبل أولئك الذين يتربصون بهم وبأراضيهم. وبلغت به الجرأة حدأ حمله على الزعم بأنه لا يجوز لروسيا أن تحدد مبتغاها من الساكس، بل على الملك الشرعي لهذه المقاطعة أن يوضح عما يمكنه التنازل عنه. وإذا كان تاليران قد لخص بحزم باطل المناقشات الحادة التي حصلت في الشهرين الأخيرين فإن مقصده العميق كان شيئا آخر، ففرنسا كانت نستفيد من تاليران والطيع، أكثر من استفادتها من الدبلوماسي الذي يحرر المذكرات. وهذا الحادث العرضي يثبت قبل كل شيء أن فرنسا عادت لتحتل مكانها ضمن الجوقة الأوروبية. وأصاب الجنون برلين عندئذ. وأراد هاردنبرغ أن يفضح إزدواجية مترنيخ فاعلم القيصر ببعض رسائل الوزير النمساوي حول المسألة البولونية مرتكبا سابقة خطرة ضد الأعراف الدبلوماسية، وتناسي بان التكتيكات التمييعية لمترنيخ عادت على بروسيا بالنفع، إذ أن كل خطوة خطاها مترنيخ كانت وراء كل تقدم أحرزته بروسيا، وعندما فضح هاردنبرغ اتفاقهما برره بانه يعمل على تأجيل المواجهة مع القيصر إلى وفت أكثر ملاءمة، وعندما أطلع مترنيخ القيصر على مجمل الرسائل وليس على جزء منها، افتضح أمر هاردنبرغ لانه لا يستطيع القيام بمثل هذا العمل من جهته، وكان من نتائج تبادل الوخزات نفع أكيد لأنه أثبت للقيصر كم هي مخاوف الدول الأخرى من مشروعاته البولونية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت