الصفحة 396 من 408

بالنسبة إلى كل الدول التي تحافظ على كرامتها، وأضيف أنه إذا كان هذا هو المناخ المسيطر، فإننا لا نتحادث في جو من الحرية وإذا فمن الأفضل حل المؤتمر، وفي نفس اليوم اقترح الوزير الإنكليزي حلفا دفاعية، بين فرنسا والنمسا وبريطانيا. ومن النافل القول بأنه طلب إلى تاليران، أن يتعهد بعدم المساس بالبلدان المنخفضة، وأن يؤكد موافقته على بنود معاهدة باريس. أما أهم مأثرة لرجل الدولة الفرنسي فهي إعلانه عن اعتدال فرنسا، ورفضها المساومة على الإشتراك في الخلف، لقاء مکسب ارضي، مكسب من شأنه تجميع بقية الدول الأخرى ضد فرنسا. وفي النهاية، لقد كسب، ما هو أهم، انتهاء عزلة بلاده، والإعتراف بها كفريق مثل باقي الفرقاء

وهكذا حل کاستلري الحلف، الذي كلفه جهودا كثيرة، باسم التوازن الذي أوجد الحلف للمحافظة على دوامه، وذلك بعد سنة تقريبا من مشروعه الأوروبي، وخلافا لتعليماته. والتدبير شجاع وجريء. فالمفهوم الدفاعي للعلاقات الدولية يوشك أن يؤدي إلى التحجر وإلى قيام سياسة خارجية لا لدرء الخطر الحاضر، بل الخطر الأقصى، وذلك ربما بعد فوات الأوان. ودلل کاستلري وهو يقترح عقد اتفاق مع عدو الأمس، بأنه واع بأن أية سياسة مهما تكللت بالنجاح، ليست غاية في ذاتها. وتدل روح العزيمة التي أظهرها، في اللحظة الحاسمة، على وعيه التام المسؤولية رجل الدولة، وخلاصتها أن اللحظة الملائمة لاتخاذ تدبير سياسي، تبعا لبطء المواصلات، يومئذ، على الأقل، لا يمكن أن تفوت بانتظار تعليمات قد تصل وقد لا تصل. ويدل ذهابه بعيدة، أيضا، وإيمانه بحريته في مخالفة هذه التعليمات، على أهميته، على المسرح السياسي الإنكليزي، وعلى اقتناعه بصوابية مسلکه ما دامت الوزارة البريطانية توافق على جوهر سياسته وأن ليس عليه بعد ذلك أن يقدم لها الحساب عن أقل مبادهاته.

ويدل الحلف المعقود في 3 كانون الثاني (1810) على نجاح إحدى هذه الحملات الدبلوماسية التي برع فيها مترنيخ. ومرة أخرى ها هو يعزل أخصامه باسم الصالح العام العالمي، لا باسم الصالح العام للدولة. ولو أنه وقع تحالفة مع فرنسا، في شهر تشرين الأول، ضد بروسيا لكان أثار الإحتجاجات المذعورة في أوروبا. أما في كانون الثاني، فقد رب بنفس الإتفاق على أساس أنه منقذ للتوازن الأوروبي. والعمل ضد بروسيا، في شهر تشرين الأول، لو وقع لاعتبر کمظهر من مظاهر الأنانية القصيرة النظر: أما في كانون الثاني فاعتبر کتدبير لحماية الشرعية ضد التحكم والقوة. وهكذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت