فهرس الكتاب
عمل مترنيخ، كما فعل في ربيع سنة 1813، على خلق المناخ السيكولوجي الملائم، بلجوئه إلى التكتيكات المماطلية، وباستخدامه ضجر الخصم الذي يريد التعجيل باتخاذ قرار، وذلك من أجل الإيقاع بهذا الخصم نهائيا. ولما كانت بروسيا بحاجة إلى موافقة فيينا على استلحاق الساكس. فقد اقترح هردنبرغ المساهمة في التدابير المتخذة ضد القيصر. وهكذا، وبناء على مبادهة برلين بالذات، أصبحت مشكلة الساكس اوروبية بعد أن كانت المانية، قبل فصلها بلباقة عن مسألة بولونيا. وعندما أدرك هاردنبرغ ما حصل، كان الأوان قد فات. وبما أن القيصر أصبح نژاعة إلى إثبات کرمه، فقد قدم مختارة، في بولونيا، ما لم تستطع تهديدات کاستلري الحصول عليه. وعلى هذا الأخير، وليس على مترنيخ، وقعت مسؤولية المفاوضات النهائية حول الساكس. وهو الذي اقترح أيضأ قيام حلف 3 كانون الثاني، وليس الوزير النمساوي. إن دبلوماسية مترنيخ هي الدبلوماسية التي تعرف أهمية الدقائق، وإن طريقة الوصول إلى الغرض هي بنفس أهمية الوصول بالذات، بل وأهم أحيانا. في براغ لم تكن المشكلة المطروحة مسألة الحرب بل مسألة السبب الذي يجب الوصول إليه من أجل إعلان الحرب. وفي فيينا كان الأمر المهم ليس المحافظة على التوازن بقدر ما كان كيفية تحقيق ذلك. فإنقاذ مقاطعة الساكس بضربة من قبضة مترنيخ على الطاولة، يخلق مشكلة جديدة، لا تنتهي. أما إنقاذها باسم أوروبا فجرح طفيف قابل للإلتئام.
إذا كانت الأزمة التي أصابت مؤتمر فيينا تستمد جذورها من الخلف الدفاعي، فإن هذا الأخير يمدها أيضأ بالعلاج. من المعلوم أن اللجوء إلى القوة هو آخر الدواء في كل مفاوضات. وكل فن الدبلوماسية ينحصر في جعل هذا التهديد مخيها، دون أن تحدد ضخامته، ودون أن يوضع موضع التنفيذ إلا في الشوط الأخير. فإذا تكلمت القوة توقفت المفاوضات. وإذا لم تأت المفاوضات بنتائج، فإن التهديد بالقوة لا يعود بالمفاوضات إلى نقطتها الأولى. إن التهديد بالقوة يعري من يهدد به من نفوذه لانه يشهد على نفسه بالضعف والعجز. وعندما سرعت بروسيا الأمور وجدت نفسها تواجه ثلاث دول لا شك في عزمها وتصميمها حتى ولو كانت المعاهدة التي تربط في ما بينها سرية. أما القيصر فهو الحليف القليل الحماس. وهكذا تأكدت عزلة بروسيا عملا