في 1 حزيران سنة 1810 صادفت أوروبا بأجمعها على القرارات النهائية، وذلك في جلسة وحيدة عقدها مؤتمر فيينا.
كل تنظيم سياسي دولي يمكن أن يقام بشكلين: بعمل إرادي، أو بعمل سلبي رفضي عن طريق الإستيلاء أو عن طريق الشرعية. خمس وعشرون سنة من الإضطرابات جرت خلالها، عبثة محاولات تأسيس التنظيم على القوة، ولكنها لم تؤثر في المعاصرين، بفشلها النهائي، بل في الفوز الذي أصبح تحت متناول اليد، فهل نعجب بعد ذلك، إذا كان رجال الدولة المجتمعون، في هذه الظروف، في فيينا، لا يهتمون بأمر بعث الإنسانية وتجديدها، لأن هذه المحاولة بحسب رأيهم تعود بهم إلى مثل المأساة التي استمرت ربع قرن من الزمن. إن تغيير طبائع الناس بعمل إرادي، والعمل على السمو بالوطنية الفرنسية باسم الوطنية الألمانية، يعنيان، بالنسبة إلى المجتمعين، العمل على إقامة السلام على الثورة والبحث عن الإستقرار في المجهول، والإعتراف بأن الخرافة بعد أن تتحطم لا يمكن بعثها من جديد. إن الأجيال القادمة تريد أن تجعل من مؤتمر فيينا المنبر الذي يتصارع عليه الإصلاح والرجعية، والواقع هو غير ذلك. إن المشكلة هي في خلق بنيات قابلة للتغيير، عند اللزوم، لا بالإكراه الناشئ عن القوة، بل عن طريق التعامل التعاقدي الحر. وبهذا الشأن، إن ما يميز مجتمعا ثورية عن مجتمع شرعي، شرط أن لا يكون هذا الأخير، مجتمعا متساقطة متهاوية، ليس هو إمكانية التطور، بل كيفية هذا التطور. والنظام الشرعي، إذا لم يكن متحجرة، يتطور برضي المحكومين، الأمر الذي يقتضي التفاهم على تعريف نظام إجتماعي عادل. والنظام الثوري، أي نظام، بعد أن يقضي على البنيات الإجتماعية المقبولة حتى الآن، مضطرة إلى فرض قراراته بالقوة والإرهاب الذي تؤول إليه أية ثورة، بهدف إلى فوز هذه الثورة في مسعاها إلى القضاء على الشرعية القديمة. إن أي نظام شرعي پرسم حدودة لما هو مكن، وهذا هو العدل. أما النظام الثوري فيدمج العادل بالممكن. ومشكلة النظام الشرعي هي خلق بنيات لا تتعارض مع كل تغيير. أما مشكلة النظام الثوري فهي: إذا أصبح التغيير غاية في ذاته، فلا يعود بنية، إذ في جميع الأحوال لا يمكن أن يكون محرك أي إصلاح ذس عابر: وإلا كان هذا الإصلاح وهما طوباوية. ومن جهة ثانية، إن بناء أي مجتمع لا يتضمن لا محافظين ولا مجددين هو أمر مستحيل. ومحاولة ذلك تؤدي إما إلى الهستيريا الشمولية (التوتاليتير أو إلى التحجر، وتكون اللحمة الإجتماعية سليمة بمقدار ما تقبل بالتغيير، ومقدار ما يمكن أن يقوم حوار بين المجددين والمحافظين.