الصفحة 406 من 408

ورجال الدولة المجتمعون في فيينا، يذكرون الوقت الذي كان الحوار فيه مناجاة من جانب واحد، هي مناجاة الأقوى. فمن الطبيعي إذا أن يحاولوا حلا بديلا قائيا على الشرعية. .

ومهما كان الظن بالمظهر الأخلاقي لهذا الحل، فهو يتجنب - بفعل عدم استبعاده الأية دولة من الدول الكبرى من كتلة الدول الأوروبية - خلق هوة لا يمكن اجتيازها. إن

حسن النية وحده لا يضمن الحل. وطلب اعتماد حسن النية هو عنت للقائلين بالإعتدال. وكذلك التقييم الصحيح للقوى المتصارعة، لأن اعتماده وحده، في الحسابات السياسية يوقع في الغموض. وبدلا من ذلك، لا بد من قيام بنيات تتعادل فيها القوي تعادلا لا يجعل الإعتدال الحر بمثابة تخل، وتأخذ في الإعتبار المطالب التاريخية للعناصر التي تتألف منها هذه البنيات. ويتم الإجماع حول هذه البنيات. وفي إطار هذا التنظيم السياسي الدولي الجديد، لا تغبن أية دولة، غبنا بحملها على هدم كل شيء، بدلا من احترام القواعد الموضوعة في فيينا من أجل مداواة الوضع، ولما كان الوضع الجديد غير مرهون لأمر أية دولة ثورية، فإن العفوية القائمة على الإحساس المتعاظم بأن الواقعة لن تقع - تطبع بطابعها العلاقات المتبادلة.

ولم تكن موافقة الجميع على اتفاقات فيينا مصادفة سعيدة. فطوال سنوات الحرب، لم ينفك كاستلري ومترنيخ عن التصريح تكرارة بأنها هدفان إلى الإستقرار، وليس إلى الإنتقام. وإن المسألة ليست تحطيم العدو، بل إجباره على الإلتزام بالحد من قوته، وإذا قورنت اتفاقات فيينا بخطة بيت Pitt ، وإذا قورنت روح هذه الإتفاقات بالتعليمات إلى شوارزنبرغ، يبدو عندئذ في السياسة وفي كل نشاط بشري، أن الحظ ما هو إلا بقية العزم والإرادة، وهذا لا يعني الزعم مع ذلك بأن مفاوضي فيينا قد أظهروا عن بصيرة تجعل أحداث المستقبل تسير وفقا لتصورهم للعالم. وعندما يتخلى كاسناري عن فكرته القائمة على التوازن الميكانيكي، لصالح الفكرة، الأدق، القائمة على التوازن التاريخي الذي تدعمه الثقة المتبادلة، فإنه مجبر على الإبتعاد أكثر فأكثر، عن الرأي العام في بلده. أما مترنيخ فقد أبحر في سياسة لم يستجمع وسائلها وهو يحاول فرض سيطرة النمسا، على إيطاليا وعلى المانيا بآن واحد. وتصلبه المتزايد في الدفاع عن الشرعية يدل على أن تنامي وعيه للمهمة الأوروبية التي أسندها لبلده، لا يقترن بالوسائل المادية اللازمة للتنفيذ. فإذا كانت سياسة القوة الخالصة تعتبر إنتحارية، إذا مارستها امبراطورية واقعة في قلب قارة، فإن الإستسلام إلى شرعية مشبوهة، يحطم المعنويات ويؤدي إلى الجمود. وإذا كانت الأهداف محددة بوضوح، فإن القوة تتراجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت