الصفحة 56 من 408

الفلسفة فربما كان هزا بها بالطبع، لأن الموضة في القرن الثامن عشر كانت تقضي بذلك، ولكنه ما كان ليفكر مطلقأ أن يجعل من الفلسفة سلاحا في سياسته. وعندما تكون الثورة الدائمة هي من نصيب عصر من العصور، فأي شيء غير الفلسفة يمكن أن يوجد لفرز الجوهر عن العرض! هذا هو السبب الذي من أجله قاوم مترنيخ بدون هوادة الذين أرادوا ربط إسمه بعصره، وهو موقف يبدو ظاهريا متعارضة مع غروره. وإذا كان هناك من أسلوب ميتونيخي، فإن النتائج الحاصلة لن تكون لها إلا قيمة شخصية، وعندها تفقد المعركة معناها. وبهذا المعني كتب هو مؤكدا فقال: إن إلصاق فكرة ما بفرد يؤدي إلى استنتاجات خطيرة. ودمج الفرد بقضية ما، هو مفهوم خاطيء. والتصرف على هذا الشكل لا يعني أن القضية موجودة بل انها مكتومة (1) ومخفية. والمسألة الشائكة في المحافظية هي اضطرارها إلى محاربة الثورة في الخفاء، سندة لما عليه لا لما تقوله.

وطوال هذه الحرب المستمرة التي قام بها ميترنيخ ضد الثورة، اضطر إلى اللجوء إلى المبادئ التي كانت سائدة في سني مراهقته. وأولها على كل حال تأويلا جامدأ كان يبدو تافها حتى في الأوقات التي كانت هذه المباديء، موضوع إجماع عام، ونتج عن ذلك أن وضع هذه المبادئ موضع التطبيق افقدها جوهرها. وميترنيخ هو من جيل من الرجال لا يعتبر مفاهيم و العصر الذهبي، أو 1 مهندس الكون الأكبر»، بالنسبة اليهم مفاهيم غائمة. فالعالم في نظرهم «منظم، بشكل يتوافق مع طموحات الإنسانية الأكثر نبلا.

هذا التركيب الميكانيكي الرائع، يكفي التعمق في ثنايا سيره حتى نكافا بالنجاح. وبالمقابل الويل لمن يخالف قوانينه: «والدول الأفراد تمام تخالف القوانين غالبة. والفرق الوحيد كائن في قسوة العقاب، أن المجتمع له قوانينه کما للطبيعة قوانينها، وكما للناس. ومصير المؤسسات الشائخة كمصير الشيوخ من البشر. انهم جميعة لا يستطيعون استرداد شبابهم ... وهكذا حال النظام الاجتماعي، ولا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك لأن الطبيعة قد رسمته هكذا ... والعالم الأخلاقي، كما العالم المادي عرضة للأعاصير» .

ولا يمكن أن نجعل العالم انقاضأ دون أن نسحق البشر بذات الوقت .. هذه البديهيات من فلسفة القرن الثامن عشر، إذا كان ميترنيخ قد أشهرها في وجه الثورة،

ـــــــــــــــــــــــــــــ

,186 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت