وفي وجه الليبرالية، في ذاك لأنها ضلال وشر برأيه، بل لأنها لا يتوافقان مع قوانين الطبيعة. وليس فقط انه لا يريد ان يعيش في عالم فصله أخصامه، ولكنه يرى أن هذا العالم مصيره الزوال والإنتكاس. أن الثورة هي ارادة قوة. والمغالاة مخالفة لطبيعة الوجود الحقة التي ترتكز على الإتزان والقياس. والتغيير هو قانونها، وأواليتها تسمى التوازن.
والرجل الواقعي حقا، هو رجل الدولة المحافظ. أما أصحاب الرؤى، فهم خصومه، قال ميترنيخ في وصيته السياسية: «أنا نائر ولست بشاعر ه. «آن نقطة انطلاقي هي التأمل الواعي في شؤون هذا العالم، وليس في شؤون العالم الآخر الذي لا اعرف عنه شيئا والذي هو شأن إيماني، والإيمان مناقض إطلاقا للمعرفة الموضوعية ... وفي الإطار الإجتماعي، من الأمور الجوهرية التصرف بدم بارد، والارتكاز على الملاحظة بدون حقد و بدون احكام مسبقة ... أنا لم أولد لأكتب التاريخ بل لأصنعه، وإذا صدق ظني، فإني أعرف أن الاختراع هو عدو التاريخ، الذي لا يعترف إلا بالاكتشافات، ووحده الموجود هو الذي يمكن أن يكتشف» . ونجد هنا خرافة الحاكم المطلق المستنير، العزيزة على قلوب فلاسفة القرن الثامن عشر. وهذا العاهل المثالي هو بطبيعته فوق الرغبات الشخصية، أن وقاره متماسك وتفكيره بارد. وما هو فن الحكم ان لم يكن علم مصالح الدول؟! أن قوانين هذا العلم تشبه تماما قوانين العالم الفيزيائي، ورجل الدولة هو فيلسوف ادرك هذه القواعد. فإذا قام بمهامه فإنه يقوم بها ضد اغراء ومقاومة، والعمل والتنفيذ يحولان بينه وبين اللذة الحقيقية الوحيدة وهي تأمل الحقيقة"، وهو مسؤول امام ضميره وحده، وأيضا امام التاريخ. ومسؤوليته امام ضميره نابعة من كون هذا الضمير ركيزة فهمه للحقيقة. واما التاريخ فلانه الوسيلة الوحيدة للتثبت من صحة وحقيقة المفهوم."
هذا الرضى عن النفس وهذه المحافظية الجامدة عند مترنيخ سببا ردة فعل دامت أكثر من قرن. وتهدف هذه الردة إلى إنكار واقعية عمله. إنه رجل استطاع أخيرة ان يكون الممثل الرئيسي لكل تحالف يعقده. لقد منحه عاملان اجنبيان ثقتها الكاملة أكثر مما منحاها لوزرائها الخاصين، فكان خلال ثلاث سنوات كاملة الوزير الفعلي الأول لكل أوروبا، هذا الرجل لا يمكن أن يكون ذا وزن خفيف في ميزان التاريخ.
، إن الفكر السياسي عند مترنيخ سوف يناقش بشكل دقيق في الفصل الحادي عشر.