الصفحة 60 من 408

ولكن هذا لا يمنع من الإعتراف بأن النجاحات التي كان يجب أن يعزوها إلى السمو الخلقي لحكمه، هي في الغالب ثمرة نبوغه الدبلوماسي العجيب. ولم يكن مزاجه مزاج مبتکر بل مزاج منفذ. فقد كان يجيد شد الخيوط أكثر من البناء. أما وقد تربى في المدرسة الدبلوماسية الكواليسية الديوانية في القرن الثامن عشر، فهو يفضل على المواجهة والصدام المناورة الذكية، رغم أن عقلانيته تجعله يخلط في الغالب بين الكلمة والفعل. قال عنه نابليون: إنه يمزج الدبلوماسية والدسيسة. وكتب عنه هردن برغ ممثل الهانوفر في فيينا، عندما حلل أساليب مترنيخ الدبلوماسية، عندما بلغت ازمة 1812 ذروتها: دانه مقتنع تماما بسمو مواهبه .. وهو يعبد المخاتلة في السياسة. وهو في الواقع يؤمن بأهميتها. ونتيجة عجزه عن تعبئة موارد بلده ... فهو يحاول أن يحل الحيلة محل القوة ومحل الإرادة ... والشيء الذي يلائمه أكثر هو حدث سعيد كموت نابليون مثلا أو كنصر مبين تحرزه روسيا. وهكذا ينشأ وضع جديد يسمح للنمسا بأن تلعب دورا مها» (1) ، وربما لخص فردريك فون جنت، وكان لمدة طويلة المساعد الحميم لمترنيخ، أفضل تلخيص جوهر اسلوب وشخصية هذا الأخير حين قال: «لم يكن رجل أهواء کبري، ولم يكن أهلا لاتخاذ القرارات الجريئة. ولم يكن ذا عبقرية أو نبوغ، بل كان مخلوقة موهوبة. كان رابط الجأش متجردأ وكان حاسبة من الطراز الأول» (2) . هذه هي صورة رجل الدولة الذي وضعت النمسا مصيرها بين يديه سنة 1812. واذا كان عقائدية، فقد كان وفقأ للأسلوب الكوني السائد في القرن الثامن عشر. وإذا كان مناورة فذاك لأن إيمانه بمعتقداته يحمله على أن يكون مرنا إلى أقصى حد في اختيار وسائله. وكان في آن واحد مبتذلا وبعيدا عن الناس، وكان يمارس بدون هوى فن الحكم. وكانت ميزته الكبرى في رشاقته وفي حسه الدقيق. وان استطاعت مثل هذه الشخصية ان تسيطر على المسرح السياسي في القرن الثامن عشر، فإنها لم تكن أقل جدارة بالخشية في أي عصر من العصور. لقد كان مترنيخ استراتيجية ضعيفة إلا أنه كان تكتيكية

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ربما كان هذا التقرير الموجه للوصي على عرش انكلترا (الذي هو ايضا منتخب هانوفر والراغب بإلحاح في تصدي النمسا النابليون) مها نظرا للشعور بالافتئات الذي نسبت به، لبعض معاصريه، أساليب مترنيخ الملتوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت