الصفحة 68 من 408

أو «اصول» دبلوماسية الدواوين التي تقضي بالتفاوض المر في ساعة الخطر الأعظم، كل ذلك حمل بروسيا على تأخير لحظة ارتباطها النهائي. ومن خصائص التفاهة أنها تفضل المكسب الحسي على المكسب غير المحسوس الذي ينشأ عن موقف أفضل أو عن ظرف مناسب، وعلى هذا اختارت بروسيا هذا الوقت بالذات لكي تساوم على الحدود العسكرية على طول نهر الويزر، ولكي تقوم بوساطتها المسلحة على أسس معقولة، الأمر الذي أتاح لها الحصول على دليل إضافي على مكر نابليون (1) . وكان عبثا تکرار مترنيخ لموعظته حول التوازن، وحول الأمن المرتكز، لا على المكاسب الجغرافية، بل على العلاقات التي تربط بين الدول. وعبثأ كان تساؤله حول تنصيب دولة نفسها جك وخصأ بآن واحد. إن المسألة مسألة منطقية تماما؛ في حين كانت بروسيا تتردد كان الجيش الفرنسي يتوجه نحو الجنوب. وانهزم النمسويون والروس في أوسترليتز ...

وحلت مرحلة جديدة تقضي فيها نظرية الحروب المحدودة بتحقيق السلم، في حين أن واقع الصراع الثوري يدفع إلى العناد، وكان على مترنيخ أن يقاوم حكومته بالذات. ولم ينفك يبين أن القدرة الكاملة النابليونية البادية هي من توليدات خلافات خصومه، وأن أعداد الجيوش الحليفة تتجاوز دائا وبالكثير ما يمكن لنابليون أن يجمع. كان يقول مشددا لنعترف بصراحة أننا هزمنا، فلنحاول أن نجد في هزيمتنا مبررا ادبيا التجديد الجهود، وإذا كانت بروسيا، في هذه الأثناء، قد استفادت من الأزمة لكي تتمسك بمصلحتها، فإن النمسارات فيها فرصة لكي تحد من خسائرها، وفاوضت على سلم منفرد. في هذه الأثناء، قذف نابليون بجيوشه ضد بروسيا. ولم يكن يقصد، في ذلك الحين، تحطيم هذه الأخيرة، بل جعلها الشريك المكره والمتواطئ مع فرنسا ولهذا الغرض ضم إليها الهانوفر، الأمر الذي سوف يخلفها مع إنكلترا.

وها هي الجيوش الروسية تعود إلى بولونيا. «مئة ألف رجل غلبوا خمسة أضعافهم - قال مترنيخ. أين هي المنة السماوية؟ متى يظهر السيد أخيرة؟ ولم ينس أن يوضح أنه، إذا كان اليأس الذي يحس به هو نسبي، فإن الموت وحده، الذي يقتل كل أمل، يمكن أن يحوله إلى يأس مطلق. فكيف العجب، بعد ذلك، من تلكؤ مترنيخ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من المهم أن نلاحظ أن الوساطة المسلحة سوف تكون بالضبط وسيلة مترنيخ السياسية سنة

1813، يراجع الفصلان 4 وه. زعم المؤرخون البروسيون أن الوساطة المسلحة كانت تهدف إلى تمكين بروسيا من استنفار جيشها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت