الصفحة 70 من 408

وهو ينتظر إنضمام حلفاء النمسا الضمنين الطبيعيين انضمامأ لا رجعة فيه، كان مبدئيا يحذر الإدعاء بالإخلاص المبني على وعود تتحقق في المستقبل. أما تحالفاته فقد كان يبنيها بعد إمعان النظر الطويل الذي كان يخنق أولئك المتسرعين إلى تأمين مؤازرة النمسا، والذي كان يستخدم كمؤشر يدل على مدى التماسك الأدبي في كل تحالف.

عندما تهدف سياسة رجل الدولة إلى تأمين المكاسب الدنيئة فإنه مضطر إلى أن يجد في التأجيل بديلا وعوضا عن العمل. وكل سياسة تسمح للأحداث بأن تتحكم فيها. وهذا ما يسميه الإنكليز تلميحا بقاعدة «إنتظر وراقب» ، تحاول، في الواقع، أن تصحح مبادرة فاشلة، بالقيام بارتداد عكسي، دون أن تنظر في الحلول البديلة. هكذا كان حال بروسيا، فبالرغم من أن ترددها، تسبب إلى حد بعيد، بكارثة سنة 1806، عندما رأت فجأة أن موقعها، من حيث القوة، على المسرح السياسي العسكري، قد تضاءل، رغم استلحاق الهانوفر، إندفعت بدون تعقل في حرب ضد فرنسا، حرب بذلت جهودة بائسة من أجل تجنبها في السنة الفائتة. إلا أن نابليون ليس بالرجل الذي يمكن أن يغلب في معركة منفردة. والحظ المشؤوم الذي لاحق النمساويين في أوسترليتز، هزم البروسيين في بينا وفي أورستات Auerstaedt. ومرة أخرى أيضا لم يكن الدعم الموعود من جانب الروس إلا سرابا. فقد ارتضى القيصر الكسندر، بعد أن انهزمت جيوشه في فريدلاند، أن يجتمع بنابليون في تلسيت، واتفق الرجلان على تقاسم العالم.

وكانت الضربة القاضية المجهزة على البنيات القائمة. وكان من العجيب، مع ذلك، أن يبدو نابليون وكأنه استمد منها ثقته بنصر نهائي، ولكن إمعان النظر يدل على أن التفاوت واسع جدا بين الركائز الأدبية للنظام التابليوني، وبين قدرته المادية. لقد ازبلت السلطات الوسيطة. وولى زمن الإنتصارات غير المحدودة التي تؤمنها حروب محدودة، فبعد ذلك الحين، سيكون النصر مرهونة بالتماسك الداخلي وبقوة الأمة. وبعد أن فشل نابليون في تثبيت فتوحاته باکتساب الموافقة المعنوية لرعاياه الجدد، فإنه سوف يري سلطته تحارب بدون هوادة. وباستمرار سوف يلجا إلى القوة في هذه الأثناء، غين مترنيخ سفيرة في فرنسا. وكان يرسل من مركزه البرقية تلو البرقية إلى فيينا. وإذا كانت لهجته فيها تبجيلية وتعبيره مغلفة بالنعومة، فإنها لم تكن قليلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت