الذي أصبح رمز الإستنتاجات التي استخلصتها النمسا من الحرب، والذي عمل أكثر من أي رجل آخر، للدفع إلى الحرب، ظهر وكأنه مهندس السلام الأول. وما كان خسره أصلا، بفضل سياسة متطرفة للغاية، عمل على استعادته بالحيلة وبالصبر وبالمناورات البارعة.
لم يبق أمام دولة مغلوية عسكرية ومهددة بالتفكك، إلا السبيل السياسي تسلکه: إما المعارضة المكشوفة أو الإقناع. وإذا كانت تعتبر انكسارها وكأنه القصاص عن نقص في التصميم لا عن نقص في القوة، فقد حاولت أن تتفادى عجزها في ساحة الحرب، بتعبئة مواردها بصورة أفضل، وبرفع معنويات الدولة إلى أن تحين الفرصة الأنسب التي تسمح لها بالعودة إلى السلاح مرة أخرى. ذلك هو مسلك النمسا عقب سنة 1809، وبالعكس من ذلك كان بإمكان هذه الدولة أن تتذرع بقصور وسائلها المادية، فنحاول جاهدة إنقاذ كيان الأمة عن طريق الإتفاق مع المنتصر. وليست البطولة بالضرورة طابع مثل هذه السياسة، بالرغم من أنها في بعض الظروف قد تكون الأكثر بطولة من بين الجميع. التعاون دون انسياق أعمى، تقديم المساعدة دون التضحية بالذات، العمل على التحرير تحت وطأة الحديد والكمامة، مل من مؤشر أفضل للدلالة على القوة الأدبية والأخلاقية؟.
عقب منعطف سنة 1809، اختارت النمسا سبيلها على كل حال. إن عجزها المادي فرض هذا السبيل عليها، ولو جزئيا على الأقل. لقد حرم السلم النمسا من ثلث أراضيها، ومن تحصيناتها ومن منفذها إلى البحر. ومقاطعة اليري التي أنشأها الفرنسيون على طول شاطئ الأدرياتيكي، تنبيء سلفا بنوايا نابليون تجاه هنغاريا، في حين أن دوقية فرصوفيا في الشمال تؤمن انصياع فيينا. وكانت مالية المملكة بحالة يرثي لها إلى درجة أن نابليون لم يفرض عليها تحديد جيشها، عالما بالتأكيد أن النمسا ليس لديها الوسائل لإنشاء جيش كبير. قال مترنيخ في أول عرض سياسي قدمه إلى الامبراطور: «إذا كانت النمسا، بعد سنة 1800، قد ظلت قوية إلى درجة مكنتها من أن تعمل للتحرير العام .... فإنها الآن مضطرة إلى التفتيش عن أمنها في التكيف مع النظام الفرنسي. وهل من حاجة لتكرار القول إلى أي حد نحن غرباء عن نظام مخالف جدا لكل المبادئ التي تقضي بها السياسة الصحيحة الحكيمة؟ ...