الصفحة 86 من 408

وتتالت التناقضات، التي إن تبهج الفيلسوف، فهي تشکل کابوسا بالنسبة إلى رجل الدولة، فهذا الأخير، مضطر إلى تجاوز التأمل المجرد للوصول إلى حل. والتحالف الروسي قد يؤدي إلى هزيمة نابليون، وقد يوقع ثقل الحرب على النمسا، وينتهي بخيانة روسية جديدة. وإذا كان التحالف مع فرنسا يضعف الموقف الأدي للنمسا، فإن الحياد المسلح لا يمكن إلا أن يقضي على مواردها المادية. وهكذا بلغت النمسا اللحظة الدقيقة التي تضاءلت فيها إمكانات التعاون، ودق فيها الحد الفاصل بين المقاومة الأدبية وفقدان الإرادة. وحاول مترنيخ أن يتفادى المأزق بالإختصار من التزامات النمسا، في حين زادت الدول الأخرى منها. وسعى إلى توفير نوع من حرية التحرك لبلاده، مستخدمة الأزمة لكي ينمي مواقع القوة لديه. ولهذه الغاية تقدم خطوة جديدة نحو التقرب من فرنسا، إنما مقرونة بمخرج يشهد على تحفظه فكرية. وأجرى مفاوضات مع باريس لعقد تحالف بنص على تأليف جيش نمساوي احتياطي عدده ثلاثون ألف رجل. ويوضع هذا الجيش تحت إمرة نابليون مباشرة وتجهزه الوزارة الفرنسية. مقابل ذلك يضمن نابليون سلامة الأراضي النمساوية، ويقدم لهذه، ليس فقط تعويضات ارضية مقابل جهودها بل ايضا وزيادة تفوق بالكثير هذه التعويضات. وهكذا يتحقق شكليا التنسيق المستمر بين النمسا وباريس. ومهما كان الظن بأخلاقية مثل هذه المبادرة فإنها السبيل الوحيد المؤكد الذي يتيح لمترنيخ التوصل إلى هدفه , فهو يستطيع، ليس فقط، إنشاء جيش بدون معارضة فرنسا، بل بمباركتها. وقدمت له هذه ضمانات بانه سيكون له صوت مسموع أثناء محادثات السلام، وأعطي شهادة رمزية بأن يكون له مقام تفضيلي داخل النظام الفرنسي، والزيادة الأرضية مرهونة بالنصر الفرنسي الذي يکون کبديل عوضي لفرنسا، وتكون هذه الزيادة بدون معنى في حال الانكسار. وإذا كان مترنيخ على حق حين وصف جهد النمسا الحربي وكأنه مشروع غير اغتصابي ولا هو بالحرب الدفاعية، بل هو تدبير محافظ. إنه تحالف محدود جدا

وبقي توضيح حدود الإلتزام النمساوي. وأعلم مترنيخ هاردنبرغ أن النمسا لم يكن أمامها خيار آخر، وأنها لن تتوقف أبدأ عن اعتبار نفسها نواة مقاومة نابليون. ثم أضاف: ومع ذلك، فمن التهور المقاومة علنا قبل توفر مزيد من القوة، ثم دعا بريطانيا إلى تزخيم عملها التخريبي الذي تقوم به في اسبانيا. وبذات الوقت طمأن روسيا أن النمسا ليس لديها نوايا عدوانية تجاهها، ثم قرن هذا القول باقتراح غريب أخرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت