كانت شوارع المدينة خالية كالصحراء. ولم يكن على الأشجار أي غصن أخضر، فكلها كانت متفحمة بسبب الحرائق. ولم يبق من البيوت سوي قواعدها أو ممراتها، أنابيب مياه، مدافيء، وحطام كثير من المنازل الحجرية، التي أصبحت دون نوافذ وأبواب، وأثاثها أصبح أميمالا بالية. كنا تصادف في بعض الأحيان، آبنبة تعج بالسكان، الذين كانوا يخرجون منها حاملين كل ما يمكن حمله من البسة و سماوارات. وأجهزة طبخ. كانوا يحملون كل ذلك إلى رصيف العبور على النهر.
كانت سيارتنا تسير بمحاذاة حافة الفولغا على طول الخط الحديدي، حتى مصب نهر نساريتسا ثم إلى المنخفض حتي حسر استراخان، ولكننا لم نجد مقر القيادة. ولم يلبث أن حل الظلام.
صادفت أحد الضباط ليس بعيدا عن المحطة، وكان هذا الضابط هو الموجه السياسي لأحد وحدات الهندسة، وكان حظي جبدا، إذ كان يعرف مقر قيادة الجيش. وقد حملته معي. وقادني حنى أسفل كورغان ماماييف. وبعد أن تركنا السيارة أخذنا نصعد مشيا على الأقدام حتى سفح الكورغان (الثل) في الظلام الدامس، وكنا ندوس بأقدامنا على الحشائش والأسلاك الشائكة، وأخيرا سمعنا صرخة طويلة، إنه صوت الخفير:. قف من يتحرك؟
كان مقر القيادة عبارة عن منخفض حفرت فيه حديثا خنادق وملاجئ. وتحصينات ميدانية، هذا هو كورغان ماماييف هل كان علي أن أتوقع بأنه سيصبح مسرحا لاكثر معارك ستالينغراد ضراوة. في هذا المكان. وعلى هذا المرتفع من الأرض لا يوجد أي شبر من الأرض لم يفلح بقذائف المدفعية وقنابل الطائرات.
تلك كانت النهاية المننظرة لسفري في ذلك اليوم.
ها أنذا في مخبأ تحت الأرض. خاص برئيس أركان الجيش نيقولاي ايفانوفتش كريلوف.
لم نلتق من قبل مطلقا. ولم نكن نعرف بعضنا. وفي الواقع كنت أعرف أنه كان أحد الذين قادوا الدفاع عن أوديسا، وسيباستوبول. كان لقاء على طريق الحرب. وهذا ما كنا نريده أنا وهو، نلتقي ونفترق. ولكن هذه المرة لم نفترق مطلقا حتى الموت. وكان على أن أرافقه وهو أكثر من أعتز به من الأصدقاء