الصفحة 28 من 396

وعلى أقدام هذا النصب. يؤدي الجنود الشباب القسم العسكري، ويتلقون بطاقات الكومسمول، حتى الأزواج الجدد الذين يخرجون إلى مقر السعادة، لا يفوتهم مطلقا التوقف أمام النصب، ونثر الزهور هناك. والذي يصعد قمة كورغان ماماييف، وينظر من قمته نحو الشرق، نحو الفولغا، الذي يبدو له وكانه في متناول يده، يعرف الناظر كيف كانت مجيدة بسالة المحاربين السوفييت الذين أوقفوا هجوم الفاشيين.

لقد استمر القتال على مشارف المدينة وفي ضواحيها، وفي الأحياء السكنية 180 نهار مع 180 ليلة، لم يتوقف خلالها، ولا دقيقة واحدة، رعد المدافع، وضجيج رمايات البنادق والرشاشات والمتفجرات وأنين الجرحى. كم من الجنود الفاشيين سقطوا هنا وهم يسيرون باتجاه الفولغا؟ وكم سقط في المدينة وأمام الغولغا من المحاربين السوفييت، وهم يدافعون عن هذا الحيز الضيق من الأرض؟

كانت المدينة تحترق، وكان يغطيها دخان أسود وغبار الحجر المطحون ومن فوق قمة الكورغان الذي حدد على خرائطنا التكتيكية بالمرتفع 102?0، كنا لا نرى سوى هياكل بعض الأبنية والانقاض، وأكوام الطوب والحجارة التي لم تقاوم، رغم أن الرجال قاوموا حتى النهاية، كان كل ركام، وكل هيكل بناء، كل بئر، وكل كتلة من الطوب موقعة دفاعية، كنا نناضل من أجل بضعة أمتار. وليس من أجل الشوارع والأزقة فقط، بل ومن أجل الأبنية وشققها كل واحدة، على حده.

كان كورغان ماماييف النقطة التي دارت حولها أشد المعارك ضرواة. وقد أحصينا بعد الحرب، أن كل متر مربع من أرض الكورغان، تلقى أكثر من ألف شظية لغم أو قذيفة، لقد عجن التراب بالحديد والرصاص.

وتمضي الأيام، ومدينة جديدة ترتفع مكان الأنقاض، مدينة أنيقة ذات شوارع فسيحة، تمتاز بفنها المعماري الخاص. لقد أعيد بناء المصانع وبنيت مصانع أخرى جديدة، وارتفع المركز الكهربائي الضخم. كما وصلت قناة لينين مباه الأم الصغيرة الفولغا بمياه الدون الهاديء. لقد عاد للمدينة سكانها القدامي، وتبعهم آخرون، وعادت الحياة لها. ولكن لا أحد ينسى أنها بنيت فوق قبور الأبطال وعلى التراب المروي بدمائهم، لذلك فهذه الأرض غالية جدا علينا إلى ما لا نهاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت