الصفحة 204 من 578

أمر شريف» في مايو سنة 1829 م بتأسيس قوات جديدة. وكان من المفترض الإبقاء على قوات الانكشارية، بيد أن كل فرقة متمركزة في العاصمة كان عليها أن تقدم مائة وخمسين رجلا للقوات الجديدة، وعلى الرغم من أن هذه القوة الجديدة كان في الواقع إحياء ل «النظام الجديد، الذي كان سليم الثالث قد أنشاه، فإن السلطان حرص في أوامره بشان إنشائه أن بتجنب أية إشارة إلى الإصلاحات أو الإصلاحيين. وعلى العكس، فإنه قدم القوة الجديدة باعتبارها عودة إلى النظام العسكري في عهد السلطان سليم العظيم، الذي كان منذ أيام کوچي بك قد صار النموذج والمثال لكل من يسعون إلى إحياء قوة الإمبراطورية بالعودة إلى ممارسات السلطان الذهبي، بل إن السلطان حدد أن القوة الجديدة لن يدربها المسيحيون أو الأجانب، وإنما الضباط المسلمون فقط الذين على ألفة بالطرق العسكرية الحديثة. وقد وافق

المفتي الرئيسي على هذا كله، كما وافق عليه العلماء، باعتباره مبررا بسبب الحاجات الملكة اللجهاد ضد الكفار.

ولكن الانكشارية، كما توقع السلطان محمود بالتاكيد، لم يقتنعوا. وفي يوم 10 يونيو، بعد عشرة أيام من تدشين القوة الجديدة رسميا، تمردوا للمرة الأخيرة. وإذ قلبوا أواني طعامهم، وهي الإشارة التقليدية إلى تمردهم، اجتمعت فرق الانكشارية الخمس في الهيبدروم وسرعان ما تجمعت جمهرة من الغوغاء الهائجين، معولين على تكرار المذبحة التي وقعت سنة 1807 م، ولكن هذه المرة كانت معظم جماهير العامة ضدهم- كما كان السلطان محمود مستعدا لهم. فقد كان قائده العسكري ترا حسين، قد وصل إلى القصر بقواته ومدافعه، وكان الانكشارية بلا حول ولا قوة في مواجهة المدافع الثقيلة، ودونما نغمة هواء، وإنما ثلاثين دقيقة من إطلاق النار الكثيف في الميدان المزدحم والثكنات كانت كافية تماما لاستئصال شافة الانكشارية وتدمير مؤسسة قديمة من مؤسسات البلاد، كانت ذات مرة مصدر الرعب لأوربا، ثم صارت مصدر الرعب للسلاطين ورعاياهم الملتزمين بالشريعة، وصدر إعلان في اليوم نفسه، بإلغاء قوات الانكشارية، وأنشا مكانهم جيشا جديدة عرف باسم «العساكر المنصورة المحمودية. وبعد شهر، وبحجة أنهم حرضوا على ثورات احتجاج ضد القضاء على الانكشارية، حل السلطان طرق الدراويش البكتاشية التي كانت على مدى عدة قرون مرتبطة ارتباطا وثيقا بالانكشارية. وبمساندة من المفتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت