الصفحة 330 من 578

لم تكن التعويذة فيما يبدو، تعمل بشكل جيد جدا، وكان ينبغي أن تكتشف بعض الأسرار الأخرى التي تتعلق بصحة تطبيقها. فقد كان يبدو من الطبيعي للزائر التركي الشاب إلى أوربا، الباحث عن مصدر القوة الأوروبية المراوغة، أن يبحث عنه في ملامح الحياة الأوروبية والحكومة التي كانت أكثر اختلاقا عما هي عليه في بلاده، فالليبرالية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن التاسع عشر، كانت السبب المقدس للتنوير والتقدم وقد جمعت بين آمال كل من أنبل المثاليين وأكثر رجال الأعمال والفنيين العمليين، وماذا يمكن أن يوجد اكثر غرابة وأكثر تميزا عند الغرب من الحكومة الدستورية والبرلمانية في نظر اي زائر شرقي؟ وكان أحد أوائل الذين جاءوا على مسار هذه الخطوط صادق رفعت باشا (1807 - 1809 م) الذي ذهب إلى السفارة التركية في فيينا سنة 1837 م وتولى عدة وظائف عليا في إستنبول بعد ذلك. وإحدى كتاباته مقالة في اثنتي عشرة صفحة عنوانها ما يتعلق بحال أورباه كان قد أعد مسودتها الأولى في أثناء توليه السفارة في فيينا (6) .

في هذا المقال يطرح بعض الأفكار حول الفروق الجوهرية بين أوربا وتركيا، وتلك النواحي التي ينبغي على الأخيرة أن تسعى إلى تقليد الأولى. كان صادق باشا مثل الكثيرين من أبناء جيله، معجبا بالثروة والصناعة والعلم في أوربا إعجابا شديدا، ورأي فيها الوسائل لتجديد بلده. لكنه أيضا يربط التقدم والازدهار الأوربي ببعض الظروف السياسية. وهو يوضح أن أساس ازدهار الدول الأوربية يكمن في الزيادة المطردة في اعداد السكان، وتحسين الزراعة في البلاد، والحفاظ على الهدوء والأمن. ولكن هذه بدورها تعتمد على ما بلي

«ترنو كل أمة وشعب لتحقيق الأمن الشامل للحياة والممتلكات والشرف، والسمعة وهذا يعني أنها تعتمد على التطبيق السليم للحقوق اللازمة للحرية. وعندما يكون الأمر على هذا الأساس، يحظى هذا النوع من الأمن وهذه الحقوق من الحرية بمزيد من الرعاية والاهتمام الفائقين، لأن الرعايا بشكل شخصي، والبلدان على نحو مماثل، لم يخلقوا من أجل الدول، ولكن على العكس من ذلك، لحكمة الملك سبحانه وتعالى، فإنه منح حكام العالم نعمة الله فقط لكي يحموا ويحافظوا على رفاهيتها وازدهارها، ومن ثم فإنهم في توجيه شئون الحكم، يتصرفون وفق حقوق الأمة وقوانين الدولة، ولا يحدث أي فعل من الأفعال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت