الصفحة 336 من 578

السلطة الاستبدادية للسلطة السيادية وإنما ازدادت طوال القرن التاسع عشر، وانقطعت جميع محاولات الرقابة القديمة، والتي سبق تجربتها على استبداد السلطان وتتمثل في الهيئة الانكشارية، بامتيازاتها القديمة وإدراكها العميق بالهوية المشتركة وتفوقها المتميزه والسباهية الإقطاعية، والسلالات المحلية من أمراء الوادي (يره بكلر) وقضاة الولايات من الأعيان، وقوة العلماء المستقلة التي كانت تسيطر على القانون والدين والتعليم، والتي كانت تدعمها أصحاب المقامات الرفيعة في السلطة الدينية، وتستند على عائدات مستقلة واسعة. كان كل هذا وجميع القوى الأخرى الوسيطة قد ألغيت أو أضعفت، ولم تخضع السلطة السيادية لأية قيود تكبحها سوى قيود ورقية بمراسيمها فحسب، وكان أمام هذه المراسيم فرصة ضئيلة من النجاح، فهي غريبة في مفهومها، ومبتورة الصلة بين تطبيقها وبين ما يعترض الإمبراطورية الإسلامية من مشكلات. كانت أهدافها ومضمونها بلا معنى أو مشكوكا فيها من جانب جماهير رعايا السلطان، وكان الرجال الموكلون بتنفيذها حمقى تنقصهم الحماسة، ولم يكن هناك من يعمل على فرض تطبيقها بشكل فعال، في أية مجموعة ولا أية قوة من بين طبقات السكان المختلفة بدافع من اهتمامهم الخاص،

غير أن نمو الحكومة المطلقة، وحتى إن لم يكن قد تم كبحها، لم يمر بدون إثارة أي اهتمام - ولم تكن أوربا منتصف القرن التاسع عشر تفتقر إلى إيديولوجيات الثورة. ولم يعد الإسلام مستبعا. فقد كانت فرنسا الفتاة» و «إنجلترا الفتاة» و «المانيا الفتاة» نماذج استلهام لتركيا الفتاة أيضا. ولقد شهد الطلاب والدبلوماسيون الأتراك بعيونهم أحداث عام 1848 التي أشعلت قلوبهم، وربما يكونون قد اشتركوا فيها. بعد إخماد التمرد البولندي والمجرى الذي اشتعل في تلك السنة طلب عدد من البولنديين وبصفة خاصة من المجريين اللجوء إلى تركيا (12) . وقد كان من الممكن أن يكونوا على ثقة بانهم سيكونون موضع ترحيب ويحظون بالتعاطف معهم كثوار ضد روسيا والنمسا، وجلبوا في هذا الوقت أفكارا جديدة لم يكن مضيفوهم محصنين ضدها بعد

كانت الصعوبات الاقتصادية المتزايدة للبلاد من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتلاء السلطان عبد العزيز الأكثر استبدادا بعد رحيل السلطان عبد المجيد الهادي، قد أوصل الأمور إلى ذروتها، وفي أثناء عام 1890 بدأت مرحلة جديدة لم تكن المناقشات التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت