الصفحة 36 من 578

والفكرة القومية التركية، بالمعنى الحديث، تظهر للمرة الأولى في منتصف القرن التاسع عشر. وقد أسهمت عوامل كثيرة في تطورها- الأوربيون المنفيون في تركيا والأتراك المنفيون في أوربا، والبحوث الأوربية عن تركيا والأتراك، وما جلبته من معرفة جديدة عن التاريخ القديم وعن حضارة الشعوب التركية القديمة؛ والأتراك الروس والتتار الذين واجهوا الدعوة السلافية الروسية وتصرفوا إزاءها بوعي قومي متنام من جانبهم والتي تغذت - بمفارقة غريبة على الاكتشافات التي توصلت إليها البحوث الروسية عن الأتراك وتاثير الشعوب الخاضعة في الإمبراطورية العثمانية، الذين كانوا بوصفهم مسيحيين أكثر انفتاحا على الأفكار القومية الآتية من الغرب، والذين ساعدوا بمرور الوقت على نقل العدوى إلى سادتهم في الإمبراطورية.

اقتصرت هذه الأفكار في بداية الأمر على دائرة صغيرة من المثقفين، لكنها انتشرت بالتدريج على نطاق واسع، وكان انتصارهم النهائي قد تجسد رمزيا للمرة الأولى، في مصطلح"تركيا"ومصطلح"أتراك"اللذين أطلقا على البلاد وعلى شعب الجمهورية. وقد ارتبط نمو الشعور بالهوية التركية بالابتعاد عن الممارسات والتقاليد الإسلامية و الاقتراب من أوربا، وبدأ هذا مع إجراءات عملية بحتة تمثلت في الاصطلاحات قصيرة المدى التي تهدف إلى تحقيق غرض محدد، ثم تطورت إلى محاولة عمدية واسعة النطاق تقود الأمة بأسرها عبر الحدود من حضارة إلى حضارة أخرى.

وبعد أن رشحت الحركات القومية والحداثية نفسها، ظهر تطور جديد مثير تمثل في التاكيد على الهوية بالحضارات المحلية التي كانت موجودة من قبل. وكانت لهذه الجركة مثيلاتها في بعض البلدان الإسلامية الأخرى، وكانت بطبيعة الحال نتيجة استيراد الفكرة الأوربية عن الوطن العلماني والإقليمي، وبناء علاقة روحية دائمة بين الأرض والشعب الذي يعيش عليها، وفي تركيا، تسبب هذا في ظهور حركة شميت «الحركة الأناضولية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت