وعلى أية حال، فإنه حتى هذا كان في جزء منه تعبيرا عن التاثير الغربي الذي ظهر بقوة في الأدب التركي في ذلك الوقت. لقد رفض رجال الأدب الجديده البساطة واحتقروا العبارات المبتذلة في أفواه عامة الناس العاديين (52) . ولم يرفضوا الأدب الغربي، بل على العكس من ذلك، وقعوا تحت تاثير الأدباء الرمزيين الفرنسيين، وكانوا قادرين على الثور على مبرر فني جمالي لهذا التقوقع في البرج العاجي، الذي فرضته عليهم الرقابة في عهد عبد الحميد، وعلى الرغم من محافظتهم اللغوية، فإن توفيق فكرت ورفاقه ذهبوا إلى أبعد مما اتجه إليه أسلافهم في تقليد النماذج الفرنسية وتطويعها، وتمكنوا من تناول قضايا النقد الاجتماعي من خلال تحليل الحياة الاجتماعية آنذاك في قصصهم على الرغم من الحظر المفروض عليهم في تناول الانتقادات السياسية. ومن أبرز المهام الرئيسية التي أدتها جماعة «ثروت فنون» تعريف القارئ شيئا عن الحياة الفكرية والثقافية في أوربا ولا سيما في فرنسا، ومثل اي رسالة، لا تزال خاضعة حتى في أشكالها الأدبية الرمزية والبرناسية، للمضامين الثورية العميقة التي يصعب فهمها، وهناك نوع من الرمزية بعرب عن قمع المجلة، في إشارة عابرة بمقال مترجم عن الثورة الفرنسية، وربما أيضا عن المسلك الذي يسلكه المترجم (53)
اعرضت «ثروت فنون» عن الخوض في السياسة، رغم أن العديد من كتابها حملوا آراء سياسية قوية، وكان توفيق فكرت نفسه قد تورط في متاعب مع السلطات أكثر من مرة، وقد سلكت مجلة «ميزان» الأسبوعية خطا جريئا، تأسست عام 1889 (54) . وتم غلقها عام 1890 واستأنفت صدورها في وقت لاحق في المنفى. ناقش المحرر في أولى القضايا أهمية الصحافة واشكالها ومحتوياتها في البلدان المتحضرة، ووعد القراء بتزويدهم بالأخبار: لمناقشة المسائل السياسية، وتصحيح سوء الفهم الأوربي حول تركيا.
كان المحرر مراد بك (1853 - 1912) ، والمعروف باسم الميزانجي، يحظى ببعض الاهتمام (55) ، وأصله من داغستان، بالقوقاز، أنهى دراسته، وربما يكون قد أنهى دراسة جامعية، في روسيا قبل أن يستقر في تركيا في عام 1873. وكان مراد مثل الكثير من المهاجرين المسلمين من الإمبراطورية الروسية، فقد لقي الباب مفتوحا أمام مواهبه ومؤهلاته، وكان يعمل تلاميذه، تاثيرا عميقا على الجبل الصاعد، وكانت لديه القدرة على