ولم تتاخر الضربة المضادة كثيرا، فسرعان ما وصلت أخبار الانتفاضة الرجعية بالبرق إلى سالونيکا، وتقدم جيش الخلاص (15) ، بقيادة الجنرال محمود شوکت باشا نحو إستنبول، وكان معه أيضا نيازي، وكذلك أنور، الذي كان قد عاد على عجل من السفارة التركية ببرلين عند سماعه للأخبار. وبلغ المتقنون العاصمة في 23 أبريل، واحتلوها في اليوم التالي (16) . بعد اشتباكات مع بعض المتمردين.
على أية حال، كانت هناك حركة رجعية محدودة في إستنبول. وانتشرت، مع تزامن مريب، مع موجة من الهبات في الأناضول. كانت الأحداث التي وقعت في منطقة أضنه سيئة جدا، وبلغت ذروتها في المذبحة التي راح ضحيتها الآلاف من الأرمن. والقيت مسئولية هذه الأحداث على جهات مختلفة، ولكن أصاب الرعب أوربا من جراء ما قام به الأتراك من وحشية، فقد صدم الرأي العام الإسلامي بسبب ما بدا له من وقاحة ونفاق اوربا المسيحية.
كان الأتراك، على أية حال، يدركون جيدا ما تركته هذه المذابح من تأثيرات مؤلمة على أوربا، غير أنهم لم يسلوا بعد أموال القمع الذي قام به السلطان عبد الحميد، وكانوا في طريقهم لإزالة بعض الآلام. في يوم الأحد بعد دخول المنقذين إستنبول، سقط حوالي خمسين رجلا ودفنوا رسميا، مع مراسم عامة، في قبر جماعي
في خطاب ألقاه فوق القبور، اكد أنور بك ... أن المسلمين والمسيحيين قد رقدوا جنبا إلى جنب في التعبير عن رمزية حبهم للوطن سواء في حياتهم أو في مماتهم، وهم على هذا النحو لن يعرفوا أي تمييز على أساس العرق أو العقيدة (17) .
في ذلك الحين ثبتت لجنة الاتحاد والترقي دعائم سيطرتها، وكانت حذرة أو بطاح بها مرة أخرى، وكانت مهمتهم الأولى عزل السلطان عبد الحميد الذي أرسل آنذاك إلى المنفى المخزي في سالونيك، بعد أن تمكن من النجاة من ثورة 191908 (18) . وضع السلطان الجديد محمد رشاد، تحت رحمة اللجنة، التي قامت بتغيير جذري في القصر، وعينت مرشحيها المنتسبين إليها في المناصب الرئيسية (19) . ثم صارت لجنة الاتحاد والترقي في تركيا الحاكم المسيطر بلا منازع. صار المقصود ب «لا تمييز على اساس العرق أو العقيدة» أكثر وضوحا بعد بضعة أشهر، مع نشر «قانون الجمعيات الجديد، الصادر في 11 اغسطس وقانون
و 26