هذا النوع من البقاء على المستوى الشعبي يكاد يكون منتشرا في كل ارجاء العالم الإسلامي، وله مشابهات في بقاء العادات الكلية والجرمانية والسلافية القديمة في شکل برتدى الثوب المسيحي في أوربا، لقد كان الإسلام الشعبي دوما ينظر إليه بعين الريبة والشك من جانب الفقهاء والدولة، وربما بدرجة أكثر في تركيا من غيرها، ومن الأمور ذات الدلالة أنه حتى اليوم، فإن حكومة الجمهورية التركية، على الرغم من التسامح بل تشجيع الحد من إحياء الإسلام السني، لا تزال حتى الآن تكبت أي إظهار النشاط الطرق الصوفية.
وعلى أي حال، فإننا نواجه، ليس على المستوى الشعبي، وإنما على المستوى الرسمي إحدى السمات المميزة للإسلام في الإمبراطورية العثمانية - السمة التي تكاد تكون سمة بنيوية ألمحنا إليها بالفعل. وهنا للمرة الأولى في التاريخ الإسلامي تم خلق بنية مؤسسية تراتبية متدرجة لرجال الدين المحترفين، ولهم وظائف معترف بها وسلطات معترف بها. تستحق المقارنة بينها وبين الكهنوت المسيحي أو الكهنة في الإمبراطوريات القديمة، والقول الماثور بانه لا يوجد کهنوت في الإسلام يبقى صحيحا بالمعنى الفقهي، بمعنى أنه ليس هناك ترسيم للكهنة، ولا طقوس، ولا وساطة للكهنة، بين المؤمن والله ولكنه لا يبقى حقيقيا بالمعني الاجتماعي والسياسي، إذ إن أصول المؤسسة الدينية العثمانية العظمى يمكن اقتفاء أثرها بلا شك إلى عصر سلطنة السلاجقة العظام، عندما كانت المدارس وشيوخ المدارس منظمين لمواجهة تهديد الهرطقات الثورية، ولكن فقط في الدولة العثمانية وصلت المؤسسة الدينية إلى النضج وقامت بوظائفها باعتبارها الحارس على العقيدة والشريعة
لقد تجاوزنا الآن مراجعة الاتجاهات الرئيسية الثلاثة في الحياة والثقافة التركية وفي العصور الحديثة وجد اتجاه رابع- هو الحضارة الغربية، التي هي في تركيا كما في أي مكان آخر في العالم قد وجهت ضربة مدمرة ضد النظام القائم.
وهناك مفهومان قد نعتبر في ضوئهما هذه الملامح والخصائص التي فصلت تركيا الحديثة عن جاراتها المسلمات، وتقربها أكثر من جدارة العالم الغربي وأخطائه، أحدهما مفهوم العملية- أي الاتجاه إلى روية تتابع الأحداث ليس باعتبارها سلسلة بسيطة وإنما باعتبارها عملية في الزمن، أو بمصطلحات عضوية، على أنها تطور؛ والثاني متصل بالأول، مفهوم العضوية، عن البنية العضوية- أي القدرة على تمثل كل مكون من