الصفحة 84 من 578

فقد حدثت في أثناء القرن السادس عشر ثلاثة تغييرات رئيسية، ذات اصل اجنبي أساسا، أثرت بصورة حية على الحياة الإمبراطورية العثمانية بأسرها. وقد ذكرنا أول هذه التغيرات بالفعل، أي تقدم العثمانيين نحو أوربا الغربية. وهو ما يشبه من بعض الجوانب إغلاق حدود الولايات المتحدة، ولكن أثرها كان أشد تدميرا. لقد نشات الدولة العثمانية على"الحدود بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي البيزنطي؛ وقد كان زعمائها وجيوشها من المحاربين تحت راية الجهاد، يحملون السيف وعقيدة الإسلام إلى أراض جديدة. فقد اعتقد المجاهدون والدراويش العثمانيون، شانهم في ذلك شان الرواد والمبشرين في الأمريكتين، أنهم يجلبون الحضارة والإيمان الصحيح إلى شعوب غارقة في الهمجية والكفر كما جنوا، مثلهم، المكافآت المعتادة لمحاربي الحدود والمستعمرين. فقد أمدت مناطق الحدود الدولة العثمانية برجالها المتنطقين بالسيوف أو برجال الدين على السواء، وبمعنى أعمق كانت السبب الحقيقي لوجود الدولة."

صحيح أنه منذ القرن السادس عشر كانت الدولة قد تطورت في الواقع من إمارة المحاربي الحدود إلى إمبراطورية، بيد أن تقاليد الحدود كانت ما زالت تضرب بجذورها في عمق الحياة العسكرية، والاجتماعية، والدينية عند العثمانيين، كما أن الإغلاق الفعلي للحدود امام مزيد من التوسع والاستعمار، لم يحل دون التأثير العميق فيها. وكانت، النظم العثمانية في التنظيم العسكري، والإدارة المدنية، والضرائب، وحيازة الأرض، كلها موجهة لسد احتياجات مجتمع آخذ في التوسع عن طريق الغزو والاستعمار في بلاد الكفار، وقد توقفت هذه عن كونها متصلة بالضغوط المختلفة في منطقة حدودية كانت جامدة أو متقهقرة (8)

وبينما كانت ألة الحرب العثمانية العظيمة، التي تعدت حدودها، تطحن بشكل ثابت في سهول المجر، فإن حياة الإمبراطورية العثمانية ونموها كانا يتعرضان للمراوغة على مدى أسرع كثيرا، بواسطة رحلات الاستكشافي على مياه المحيط التي قام بها شعوب الغرب البحرية، والتي كان تأثيرها النهائي مقدرا له أن يحول منطقة شرق المتوسط باسرها، حيث كانت الإمبراطورية موجودة، إلى منطقة ثانوية. في سنة و 100 م، كان ما زال بوسع السفير الإمبراطوري في إستنبول، أورجييه جيسلين دي بوسبيوك، الذي كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت