الصفحة 92 من 578

الريف، حيث النظام الزراعي العثماني القديم، الذي كان الفارس الإقطاعي اساسه فيما مضي، كان قد أخذ يترنح ثم انهار. وبدلا من السباهية الذين كانوا يقيمون في ضيعة أو بالقرب منها حيث كانت لهم مصالح ورائية، فإن المقربين من القصر السلطاني، والمتطفلين، والمنافقين باتوا هم الذين يحصلون على الضياع، وفي بعض الأحيان يجمعون عددا كبيرا منها، وبهذا يصبحون، في الواقع، ملاكا غائبين لضياع زراعية كبيرة. ومن جديد عادت الإقطاعات إلى الأملاك الإمبراطورية (17) . ولكن ازدياد معدل تدني الكفاءة والفساد في الجهاز الإدارى حال دون تكوين أي نظام دولة فقال لتقدير الضرائب وجمعها، وبدلا من ذلك منحت هذه المهام إلى جباة الضرائب، الذين صارت وساطتهم واستقطاعهم العائدات بمرور الزمن حقا وراثيا، وزادت من عدد الضياع الشاسعة التي تعاني الإهمال.

هكذا تحمل الاقتصاد المنكمش للإمبراطورية عبء تمويل بناء فوقي مكلف ومرهق بصورة مطردة. فقد كان القصر والجهاز الإداري، والتراتبية الدينية، جيشا كان حديثا من حيث الإنفاق على الأقل، فضلا عن طبقة طفيلية من جباة الضرائب وملاك الأراضي الغائبين كل هذا كان أكثر كثيرا مما كان يمكن لدول العصور الوسطى أو حتى الإمبراطورية الرومانية يمكن أن تحاول نعمه: ومع هذا فإنها كانت تستند إلى اقتصاد لم يكن متقدما عن اقتصاديات هذه الدولة. ذلك أن المستوى التكنولوجي للزراعة بقي على بدائيته، كما أن الأحوال الاجتماعية في الريف التركي بعد القرن السادس عشر حالت دون ظهور اي شيء مثل المزارعين الإنجليز الراقين في القرن السابع عشر الذين كانت تجاربهم قد أدت إلى إحداث ثورة في الزراعة الإنجليزية

هذه التطورات ليست وفقا على تركيا، ذلك أن تدهور النقود وارتفاع الأسعار، وزيادة نفقات الحكومة والشئون الحربية، وبيع الوظائف والتزام جباية الضرائب - كلها أمور معروفة في عالم البحر المتوسط والدول المجاورة، حيث أسهمت في صعود طبقة جديدة من الرأسماليين ورجال المال من أصحاب النفوذ المتصاعد على الحكومات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت