كان في تركيا أيضا تجار أغنياء ومصرفيون، مثل اليوناني ميخائيل كانتاكوزينوس واليهودي البرتغالي جوزيف ناسي- الذي أطلق عليه بروديل لقب ممول الشرق (18) . ولكنهم لم يستطيعوا أبدا لعب مثل هذا الدور الاقتصادي والمالي والسياسي الذي قام به نظراوهم الأوربيون، ويتمثل جزء من السبب في هذا في الجمود المطرد للتجارة العثمانية وهو ما أشرنا إليه بالفعل. بيد أن هذا ليس كل ما في الأمر، ذلك أن معظم هؤلاء التجار إن لم يكونوا جميعا، كانوا من المسيحيين أو اليهود- وكانوا يحظون بمعاملة متسامحة وإن كانوا رعايا من الدرجة الثانية في دولة مسلمة. ومهما كانت قوتهم الاقتصادية كبيرة فإنهم كانوا من الناحية السياسية معاقبين ومن الناحية الاجتماعية معزولين؛ وكان بوسعهم الحصول على السلطة السياسية عن طريق التسلل فقط، ولا يمارسونها سوى عن طريق التحايل، مما كان يترك آثاره اللاأخلاقية على جميع من يهمهم الأمر. وعلى الرغم من المعدل والمدى الذي شغلته عملياتهم المالية، فإنهم كانوا عاجزين عن خلق الظروف السياسية الأكثر ملاءمة للتجارة، أو أن يبنوا أي بناء راسخ للصيرفة والائتمان، وبهذا يساعدون الحكومة العثمانية في أزماتها الاقتصادية المستمرة. وفي إنجلترا أيضا كانت المالية والائتمان في أيدي متخصصين أجانب تركوا اسمهم في شارع لومبارد. بيد أن هولاء ما لبثوا أن أبعدوا خارج البلاد على أيدي المنافسين المحليين الجسورين المندفعين. وفي تركيا لم يظهر مثل هؤلاء المنافسين، وعلى أية حال، ففي غمار التدهور العام الذي شهده القرن التاسع عشر، فإن أمراء التجارة من اليونان واليهود في إستنبول انزلقوا إلى مهاوي عدم الأهمية، وكانت ما تزال هناك فرصة لتكوين الثروات في تركيا، ولكن أصولها لم تكن اقتصادية. وفي معظم الأحوال كانت سياسية أو من أموال الدولة في أصلها، وتم الحصول عليها من خلال تولي المناصب العامة، كما أنها لم تكن تنفق على الاستثمار والتطور، وإنما كانت تستهلك أو تكتنز، حسبما كان سائدا في ذلك الزمان.
وغالبا ما كانت ترد الإشارة إلى التخلف التكنولوجي في الإمبراطورية العثمانية إلى فشلها ليس في الاختراع فحسب، ولكن حتى في الاستجابة المخترعات الأخرين. وبينما كانت أوربا تكتسح في المقدمة في العلوم والتكنولوجيا: كان العثمانيون قانعين بان يبقوا في زراعتهم، وصناعتهم، ووسائل النقل عند مستوى أسلافهم في العصور الوسطى.