ومرت الأيام ثقيلة بطيئة، ودار الزمن دورته، فانقضت ثلاث سنوات، ودعي الولد الكبير إلى الخدمة في الجندية بعد أن استكمل الثامنة عشرة من عمره ..
واجتمعت العائلة تتداول الرأي، هل يترك الابن الثاني مدرسته البتولي حانوت أبيه، وحانوت أخيه من بعده، وهو قد أصبح في الصف الرابع الإعدادي لم تبق له غير سنة ليتخرج من الإعدادية؟؟!! وإذا لم يفعل فمن يعيل أهله؟.
استقر رأي العائلة على بيع الدار، ولو أن الخروج منها كخروج الشاة من جلدها، لا يسمى إلا موتا أو سلخا .. !
والتحق الابن الكبير بالجندية في بلد مجاور يتدرب على استعمال السلاح، وكان معلم التدريب العسكري يلاحظه فيجد فيه ذهولا وانصرافا عن التدريب، فكان ينصحه تارة، ويعاقبه بالتعليم الإضافي تارة أخرى .. دون جدوى ...
لقد كان حاضرة كالغائب، أو غائبة كالحاضر، وكان جسمه فقط مع إخوانه الجنود في التدريب، ولكن عقله كان بعيدة ... بعيدة .. هناك عند عائلته.
واستدعاه ضابطه يوما، وسأله عن مشكلته، ففتح له قلبه وأخبره بأمره، فبادله الضابط الإنسان حزنا بحزن وأسي باسي، وكف عن ملاحقته في أمر إتقان التدريب.