لقد كان هذا السقاء يزود الدار بالماء منذ سنين طويلة، كما كان يزود دور المحلة كلها بالماء، ولم يكن في يوم من الأيام موضع ريبة، ولم يحدث له أن ينظر إلى محارم الناس نظرة سوء، وكان في العقد الخامس من عمره، وقد ولى عنه عهد الشباب، وما قد بصحبه من تهور وطيش وغرور ...
وقدم الفتى الموصل، موفور الصحة، وافر المال.
ولم يفرح والده بالصحة ولا بالمال، لم يسال ولده عن تجارته ولا عن سفره، ولا عن أصحابه التجار في حلب.
لقد سأل ولده أول ما سأله: ماذا فعلت منذ غادرت الموصل إلى أن عدت إليها؟.
وابتدأ الفتى يسرد قصة تجارته، فقاطعه أبوه متسائلا: «هل قبلت فتاة، ومتى، وأين، فسقط في يد (1) الشاب، ثم أنكر ...
واحمر وجه الفتي وتلعثم، وأطرق برأسه إلى الأرض في صمت مطبق كأنه صخرة من صخور الجبال لا يتحرك ولا يريم (2) .
(1) سقط في بده: ندم وتحير، قال تعالى: (ولما سقط في أيديهم)
[الأعراف: 149]
(2) لا يريم: لا يبرح.