الصفحة 25 من 28

العلم به كما هو، فيقع في النفس منه خوف واحتراز إن كان مكروهًا، وفرح وسرور إن كان مرغوبًا، ويسمى هذا النوع من الإلهام إنذارات وبشارات، فخاف عليه السلام من وقوع ما وقع قبل وقوعه، فنهاه عن إخبارهم برؤياه احترازًا ويجوز أن يكون احترازه كان من دلالة الرؤيا على شرفه وكرامته وزيادة قدره على إخوته، فخاف من حسدهم عليه عند شعورهم بذلك" [1] ."

ولا ينفي ذلك الخوف من حسدهم كون يعقوب عليه السلام النبيَّ المتوكل على ربه الواثق من فضله ورحمته به وأهله، المحتسب بالله على المكاره التي تعرض لها في حياته، فهو قد تلقى نبأ أبنائه الكاذب عن أكل الذئب ولده يوسف تلقِّيًا دالاًّ على أنه"لم يجزع جزع المريب والشاك في قضاء الله وقدره، فقال عبارته الدالة على إيمانه المتقد، واعتماده على ربه الذي لا رادَّ لقضائه {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ? قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ? فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ? وَاللَّ-هُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف 18] " [2] وقد تحققت هذه الثقة بالله تعالى عندما اجتمع شمل الأسرة الكريمة كلها في نهاية القصة.

وعندما يذهب بنوه إلى يوسف طلبًا للميرة، ويكيد يوسف عليه السلام مكيدته لإخوته من أجل أخذ أخيه الأصغر بنيامين وضمه إليه، نجد يعقوب عليه السلام يتردد في إعطائهم ولده مستدعيًا إلى ذاكرته الشفاهية ما كان منهم مع أخيه يوسف، وأنهم لم يحافظوا عليه كما وعدوه، ولكنه - يعقوب - تحت ضغط الحاجة إلى الميرة والطعام له ولأولاده جميعًا يرسل بنيامين معهم، ثم ذكرهم أبوهم بعهد الله ميثاقه أن يأتوا به ولا يضيعوه كما ضاع منهم أخوهم يوسف عليه السلام"وفي ذلك لون من ألوان الإيثار ودليل قوي على فطنة يعقوب وذكائه؛ حيث إنه تردد في البداية والمؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين، ولكن ذلك كله في سبيل لقمة العيش وإحياء النفوس المجهدة {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّ-هِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ ? فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّ-هُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف 66] " [3] .

ثم إننا نجده من الشخصيات المتطورة في سياق القصة، يبدأ مع اللحظة الأولى للحدث القصصي مع ولده يوسف في صورة الأب الرؤوم المشفق على ولده من الآخر حتى وإن كان هذا الآخر

(1) - القاسمي: محاسن التأويل - تصحيح وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي 9/ 35.4 - 35.5 - دار إحياء الكتب العربية -

(2) - د/ عمر باحاذق: الجانب الفني في قصص القرآن الكريم ص 118 - ط 1/ 1993 م- دار المأمون للتراث - دمشق

(3) - الجانب الفني في قصص القرآن الكريم - السابق - الموضع نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت