ويمكن أن ننظر إلى السورة الكريمة في ضياء الدراسات التحليلية والفنية التي تقفنا عند سر من أسرار الحُسْن فيها، ولعله راجع إلى البنية اللغوية والفنية التي يمكن أن نسارع هنا بالإشارة إليها، دون الدخول في تفصيلاتها التي سنشير إليها فيما بعد، فقد اشتملت السورة الكريمة على تناسق وتناسب مع ما سبقها وما لحقها من السور الكريمة، وتناسق بين فاتحتها وخاتمتها، فضلا عن التناسق والتناسب مع السياق الخارجي الذي نزلت في ظلاله، والتناسق الإيقاعي والنظمي، والحكمة الفنية في بناء الشخصيات وتطورها، وتناسق وتناسب كذلك مع الأهداف العامة والخاصة للسورة نفسها وسور القرآن الكريم عامة.
وربما كان هذا التناسق مرتبطًا بصورة أو بأخرى بالدراسات السردية الحديثة، وهذا الأمر لا نرى بأسًا من توظيفها في دراسة النص القرآني الكريم طالمًا أنه لا يغض من قدسيته ولا ينال من شرفه، بل إننا نرى أنها معينة على كشف بعض من أسرار إعجاز هذا القرآن الكريم وفنيته وبلاغته التي يؤكدها محاولة بعض الأقلام من قديم ومن حديث أن تعارضه، أو أن تجيء بمثله.
ويظل القول الفصل في هذا لربنا تبارك وتعالى {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء 88] الرادع والداحض لكل محاولة عابثة نحو معارضة القرآن الكريم أو المجيء بمثله، وما محاولات مسيلمة الكذاب ببعيدة عن ذاكرة القارئ الكريم، وقد أثبت العلماء بوء هذه المحاولة بالفشل، وليس أدل على هذا الفشل من أن ذاكرة التاريخ لم تحفظ منها إلا النزر اليسير مما يُتندّر به على سفاهة تلك المحاولة.
وإذا كنا قد أشرنا إلى الدراسات السردية، والإفادة من مفاهيمها ومصطلحاتها في تناول السورة الكريمة، فذلك لأننا أمام قصة فنية مكتملة الأركان، فهناك الحبكة الفنية التي يؤطرها السرد القرآني بإطار فني بالغ الدقة، منذ بدء القصة بالحديث عن أثرة يعقوب عليه السلام بيوسف وأخيه بنيامين دون باقي الأبناء، وهو ما يُوغر صدور الأبناء، ويُشعلها حقدًا على الأخين والأب جميعًا؛ {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف 8 - 9] .