ومرورًا بالخطوة العملية لإبراز هذا الحقد عندما {قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف 1.] ولم يتغافل السرد عن الإشارة إلى المكيدة الأولى لتحقيق هذه الخطوة، وهي كيفية إقناع يعقوب عليه السلام بترك يوسف بعيدًا عن عينيه؛ ويتمكنوا من الانفراد به والنيل منه ومن أبيهم نبي الله يعقوب؛ حتى يخلو لهم أمر أبيهم.
إن النفس الممتلئة بالحقد والغيظ أو الواقعة في براثنهما لابد أن تتوسل بكل الشرور أو المكائد التي تشفي لها حقدها، وتطفئ غلة غيظها المسيطر عليها؛ لذا لم نكن - كمتلقين - لنستبعد لجوء هذه الأنفس الشريرة إلى الكذب متوسلة به لتحقيق مآربها باقتناص يوسف من أبيه، وهو ما بدا عندما {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ. أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف 11 - 12] ولم يكن هذا الحقد أو لنقل الغيظ من يوسف عليه السلام لينتهي من إخوته، خاصة بعدما مكن الله تعالى له في أرض مصر وصار عزيزها، وأتوا إليه يطلبون عطاءه وعندما احتال يوسف عليه السلام لأخذ أخيه الأصغر بنيامين ولم يفلح معه عرضهم بأن يأخذ أحدهم مكان أخيهم {قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ? فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ? قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ? وَاللَّ-هُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف 77] وهو رد يشير إلى اندهاش يوسف من هذه السلوكيات المسيطرة على إخوته حتى بعد مرور كل هذه السنوات الطوال.
ولم يكن هذا القول بدليل على ما يملأ القلوب من الغيظ والحنق وإنما فيه إلى جانب ذلك شيء من السفه العقلي بالجائهم إلى القياس الفاسد باتهام يوسف عليه السلام بالسرقة لمجرد الشبه الأخوي بينه وبين أخيه بنيامين"وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الأخُوّة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كان حقًّا ولا دليل على التساوي فيها، فيكون الجمع لنوع شَبَهٍ خالٍ عن العلة ودليلها" [1] .
ومن الحق القول: إن هذه الحالة العقلية الواهية التي بدا عليها هؤلاء الإخوة وقد سيطر عليهم الحقد والغيظ لم تكن بالجديدة على السرد القصصي، أو لنقل على أحداث القصة، فإنهم لما ألقوا
(1) - ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين تعليق وتخريج مشهور حسن آل سلمان، أحمد عبد الله أحمد 2/ 269 - ط 1/ 1423 ه- دار ابن الجوزي - السعودية، وانظر له أيضًا: بدائع التفسير - جمع ومراجعة يسري السيد محمد، صالح أحمد الشامي 2/ 75 - 76 - ط 1/ 1427 ه- - دار ابن الجوزي.