الصفحة 11 من 28

يوسف في غيابة الجُبِّ، اختلقوا فكرة أكل الذئب إياه {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ? قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ? فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ? وَاللَّ-هُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف 17 - 18] وكانت حيلتهم الخادعة التي لم تنطلِ على أبيهم يعقوب عليه السلام أنهم"ذبحوا جديًا من الغنم ثم لطخوا القميص بدمه، ثم أقبلوا إلى أبيهم، فقال يعقوب: إن كان هذا الذئب لرحيمًا! كيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟ يا بُنيّ يا يوسف: ماذا فعل بك بنو الإماء؟" [1] ولعل هذا ما يفسر تردد يعقوب عليه السلام في الموافقة على ذهاب يوسف مع إخوته عندما قال لهم: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} [يوسف 13] ولعل تعليل هذا التردد بخشية أكل الذئب ولده ما يؤكد الحدس القلبي من الأب بما يمكن أن يفعله بنوه؛ لأنهم لو كانت لديهم حصافة ورجاحة عقل، لقالوا إنه مات ميتة أخرى غير تلك التي حذرهم أبوهم منها من قبل.

بيد أن الحالة المسيطرة عليهم أو شعورهم نحو يوسف وأخيه هو ما أوقعهم في هذا التخبط، كما أوقعهم من قبل في التفكير في التخلص منه؛"لأن النفوس عندما تسيطر عليها الأحقاد وتقوى فيها رذيلة الحسد تفقد تقديرها الصحيح للأمور، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه، وتصور الصغائر في صورة الكبائر، والكبائر في صورة الصغائر، فإخوة يوسف هنا يرون أن محبة أبيهم لأخيهم جرم عظيم يستحق إزهاق روح الأخ، وفي الوقت نفسه يرون أن هذا الإزهاق للروح البريئة ئيءٌ هيِّنٌ، في الإمكان أن يعودوا بعده قومًا صالحين أمام خالقهم وأمام أبيهم وأمام أنفسهم" [2] .

ويستمر هذا الحقد والغيظ في موضعين آخرين من القصة، أولهما: عندما أيقن يعقوب عليه السلام بفقدان ولديه، وأن رجعة الابن الأكبر باتت مشكوكًا فيها، إذ قال لإخوته بعدما فشلوا في استرجاع أخيهم الأصغر: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ? قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّ-هِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ? فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّ-هُ لِي ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يوسف 8.] وعندما رجعوا إلى أبيهم وقصوا عليه ما حدث - ولم يكن الأمر بأيديهم - ما كان من يعقوب عليه السلام إلا أنه أعرض عن أبنائه واستولى عليه الحزن، حتى فقد بصره عندها بدا الغيظ مسيطرًا عليهم، ليس من أبيهم

(1) - السدّي أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن: تفسير السدي الكبير - جمع ودراسة د/ محمد عطا يوسف ص 3.9 - ط 1/ 1993 م - دار الوفاء - المنصورة.

(2) - د/ محمد سيد طنطاوي: القصة في القرآن الكريم 1/ 2.9 - ط 1/ 1996 م- نهضة مصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت