إخوته، ثم مع أبنائه الذين يسائلونه عن عدم ائتمانهم على أخيهم يوسف، ويطلبون إليه إرساله معهم في الغد ليلعب معهم ويرتع، ومن ثمة يتحول خوفه على ولده إلى حقيقة، فهاهم إخوته يطلبون السماح لهم بأخذه وكان قبلُ يرفض بدليل قول القرآن الكريم على ألسنتهم {مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} ثم يختفي من الساحة القصصية في الفترة التي يرتكز فيها السرد على مشاهد يوسف في مصر ويعاود الظهور عندما تعاود المحن طرق بابه بعد فقدان بنيامين، وما يتبعه من أحداث.
جسد إخوة يوسف عليه السلام ملامح الشخصيات الشريرة التي تتغلب عليها أهواؤها الذاتية في مقابل الآخر وهو يوسف عليه السلام، وقد تمثلت سيطرة الأهواء على إخوته فيما بدا منهم منذ أدركوا تمييز أبيهم يعقوب عليه السلام بين أبنائه، ورتبوا على ذلك التطبيق العملي على هذا الإحساس بالتمييز، بالرغبة في التخلص من يوسف وأخيه، ظانين أن ذلك التخلص قد يهيئ لهم الجو أمام أبيهم لينالوا رضاه بما يمكن أن يصدر عنهم من الصلاح، وقد حكت السورة الكريمة هذا التطبيق العملي في قوله عز وجلَّ: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف 8 - 9] فقد قدّم هذا القول التعليل - يوسف وأخوه أحب إلى أبيهم منهم - على النتيجة التي استقروا عليها وهي قتله أو طرحه في أرض بعيدة لا يستطيع منها العودة إلى الديار.
وإذا كنا قد حملنا يعقوب عليه السلام تبعة هذا الحب ليوسف وأخيه أكثر من باقي بنيه مستشهدين في ذلك بحديث النعمان بن بشير وموقف النبي صلى الله عليه وسلم وهو الموقف المتساوق والفِطَر الإنسانية في كل زمان ومكان، ومن ثمة لا نرى حجة لمن يعترض على ما نذهب إليه متعللين بأن البعد الزماني والمكاني ليعقوب عليه السلام ينفي حجية الاستشهاد بالحديث النبوي المشار إليه، أقول إذا كنا حملنا يعقوب تبعة حبه الزائد ليوسف وأخيه، فإننا لا نستطيع أن نفوسهم الشرية مما ارتكبوه في حق أخيهم وأبيهم؛ لأن النفس السوية تستطيع أن تتغلب على ما تراه تجنِّيًا في حقها بعقليتها السوية.