الصفحة 23 من 28

آثرنا أن يكون حديثنا عن امرأة العزيز لتكون الشخصية الثانية ذات التأثير المباشر في مجرى الأحداث، وفي صياغة الحبكة الفنية؛ لأن هذه المرأة قد بدت في صورة أنانية عاشقة لذاتها وملذاتها التي بدت في مراودة بوسف عليه السلام عن نفسه، وكانت ذات سلطة قوية بدت في إصرارها على أن يفعل يوسف ما تأمره به وإلا كان السجن أو العقاب الأليم جزاء رفضه الانصياع لأمرها، وإلى جانب ذلك كانت نافذة السلطة؛ لأن حكم السجن قد تم تنفيذه معه، ثم إننا لا نعدم أن تتصف هذه المرأة رغم كل ما سبق بالاعتراف بالحق، وقد كان يمكنها التمادي في غيها وتسلطها حتى بعد ظهور الحق، لكنها اعترفت بما فعلته مع يوسف عليه السلام لتبرئه من جرم اتُهِم به ولم يفعله"لقد أقرَّتْ بالحق واعتذرت عن محبوبها، ثم اعتذرت عن نفسها، ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلتْ، ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر" [1] .

وهذا الموقف الجديد لامرأة العزيز إنما هو مرحلة تصور تطور شخصيتها في السورة الكريمة، وانتقالها من مرحلة الأنوثة الطاغية غير العابئة بالقيم الاجتماعية والخلقية، وعدم انصياعها إلا إلى الشهوات الأنثوية، وما يتبعها من التسلط والصوت العالي القاهر إلى الإذعان والرضوخ للأمر الواقع أو للحق المحصحَص، وإذا كان لنا أن نبحث عن العوامل الدافعة إلى تطور شخصيتها على هذا النحو، فربما لا نظفر بتصريح نصي من آيات السورة الكريمة، وإنما قصارى ما يمكننا فعله أن نستكنه دلالات الخطاب والأحداث التي ارتفعت بيوسف عليه السلام وسمت بمكانته ذلك السمو الذي لم تجد أمامه سوى هذا الإذعان والاعتراف بالخطأ، بل والطمع في المغفرة، لقد كانت هذه المرأة الشخصية النسائية الرئيسة في القصة، وقد صورها القرآن الكريم على هذا النحو لدورها البارز في أهم مشاهد القصة.

(1) - ابن قيم الجوزية: بدائع التفسير - سابق - 2/ 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت