إن شخصية يوسف عليه السلام هي الشخصية المحورية أو الرئيسية في أحداث القصة؛ فقد تواتر حضور اسمه فيها أربعًا وعشرين مرة، هذا الحضور الطاغي لاسم يوسف عليه السلام يؤكد أنه لم يغب"عن مسرح أحداثها في مشهد واحد؛ إذ هو الشخصية الرئيسة، والأحداث كلها من أول القصة إلى آخرها تدور من حوله، وهو إما يقوم بالأحداث بنفسه مباشرة، وإما أن يكون المحرك للشخصيات حتى تقوم بما تقوم به من أعمال وأحداث" [1] وهذا أمر معلوم؛ لأن السورة مسماة باسمه، وأن السياق التاريخي أو السياق الخارجي الذي نزلت فيه السورة الكريمة يؤكد مقصدية التنزيل والتحديد والخصوصية بيوسف عليه السلام.
إن سورة يوسف سورة مكية نزلت بعد سورة هود وقبل سورة الحِجْر [2] ومن المرجح أنها نزلت في فترة عام الحزن، ذلك العام الذي شهد مجموعة من المآسي التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم من اشتداد إيذاء المشركين ووفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، وكذلك وفاة عمه أبي طالب، وقد كانا سندين قويين له صلى الله عليه وسلم في مواجهة إيذاء المشركين؛ ولذلك فقد ذهب غير واحد من المفسرين إلى أن"سبب نزولها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يفعله قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف" [3] وهو عليه السلام نبي قد تعرض للإيذاء من أقرب المقربين إليه، فلا عجب من أن يتعرض محمد صلى الله عليه وسلم للأذى من قومه ومنهم أقاربه الذين لم تردعهم القرابة عن التعرض له بالإيذاء.
ولم يكن تعريجنا على أسباب النزول أو الظرف التاريخي إلا للكشف عن شخصية يوسف عليه السلام كما رسمتها السورة الكريمة، وللإشارة في الآن عينه إلى أن الأزمات التي تعرض لها الأنبياء، إنما كانت سُنَّة إلهية مؤكدة على بشرية الرسل يصيبهم ما يصيب البشر من الأحزان ويتعرضون للأزمات، ولكنهم يضربون المثل الأعلى في التعامل مع هذه الأزمات.
(1) - د/ أحمد نوفل: سورة يوسف: دراسة تحليلية - السابق - ص 132.
(2) - ابن شهاب الزهري: تنزيل القرآن ضمن كتاب رسائل ونصوص - نشر د/ صلاح الدين المنجد 3/ 27 - ط 2/ 198.م - دار الكتاب الجديد
(3) - ابن عطية: المحرر الوجيز 3/ 218، وانظر: ابن أبي نصر البقلي: عرائس البيان في حقائق القرآن - تحقيق أحمد فريد المزيدي 2/ 146 - ط 1/ 2 .. 8 م - دار الكتب العلمية، الثعالبي: الجواهر الحسان في تفسير القرآن - سابق - 3/ 31.، حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 3/ 94.، تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 5/ 278 وغيرها