وإذا نظرنا في جوانب شخصيته عليه السلام من خلال أحداث القصة، وجدناه رجلًا منذ اللحظة الأولى لسرد الأحداث، فهو يرى الرؤيا التي تجعل منه ذلك القائد أو الإمام الذي تسجد له قوى غير بشرية مالكة من القوة والعظم والمكانة ما يُعظم من قدر مَنْ تسجد له، وهذه القوى هي الكواكب الإحدى عشر والشمس والقمر، وإذا ما ربطنا المشهد الأخير - تأويل الرؤيا - بالمشهد الأول، وتعرفنا كنه هذه القوى الطبيعية الساجدة ليوسف في رؤياه، وأنها ماثلة في أبيه وأمه وإخوته، أدركنا مدى عِظم هذه الشخصية ومكانتها من ربها أولًا، ثم من أهلها وأبناء وطنها ودينها ثانيًا.
وأما الأزمات التي عرضت له، فلم تزده إلا صبرًا وجلدًا ورضًا بقضاء الله تبارك وتعالى، كما لم يزده اعتداء الظالمين عليه إلا حلمًا وعفوًا وصفحًا، فهو من عباد الله المخلَصين الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بعصمتهم من المعاصي، ولم تزده تجربة السجن إلا جلدًا واجتهادًا في العبادة، ومزيدًا من الصفاء والنقاء الموصل لمرحلة الكشف الرؤيوي الماثل في تأويل الرؤيا؛ لأنه من المحسنين إذ أحسن عمله متقيًا ربه وهو في عنفوانه، ومن ثمة آتاه الله الحكم والعلم، كما زادته تجربة السجن نجاحًا في رسالة نبوته التي اكتسبت أرضًا جديدة بإيمان رفقاء السجن وسجَّانه به، واتسعت هذه الأرض وعظمة بإيمان الملك نفسه وحاشيته كذلك به.
وأما إذا ما جئنا إلى الأوصاف المادية والحسية لشخصية يوسف عليه السلام، وجدنا السرد القصصي لا يبوح بوح المباشرة بتلك الأوصاف الحسية التي اشتُهِر بها، أعنى الصورة المثلى للجمال البشري وإنما قنع السرد باستكناه ما بين السطور، أو ما تبوح به ثناياها، ذلك أن كل ما أتى به السرد القصصي للآيات الكريمة هو ما جاء على لسان نسوة المدينة التي جمعتهم امرأة العزيز بعدما قلن قولتهن الواصفة لحالة امرأة العزيز المراودة فتاها أو خادمها عن نفسه {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّ-هِ مَا هَ-ذَا بَشَرًا إِنْ هَ-ذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف 31] فإن جمهور المفسرين يرون أنهن أكبرنه وأعظمنه واستهولن جماله [1] هذا الجمال الذي كفلت الإشارةَ إليه السنةُ النبويةُ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك:"أُعطِيَ يوسفُ عليه الصلاة و السلام شطر الحُسن" [2] وهو السبب الذي كان
(1) - ابن عطية: المحرر الوجيز 3/ 239.
(2) - الإمام أحمد بن حنبل: المسند - شرح وفهرسة حمزة أحمد الزين 11/ 338 - ط 1/ 1995 م - دار الحديث - القاهرة. والحديث إسناده صحيح، وقد رواه مسلم في الإيمان بإسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاكم في المستدرك وصححه، وكذلك رواه أبو يعلي.