أحسن القصص
هل يمكن للمسلم وهو يتلو سورة يوسف عليه السلام تلاوة ترتيل في تفكر وتدبر أن يستنتج بعض التعليلات لوصف الله تعالى للقصة الكريمة بأنها {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} ؟! وربما كان في تخصيصي التلاوة وليس القراءة بالترتيل والتفكر والتدبر إعمالًا للآلة أو الوسيلة التي يمكن أن تصل بنا إلى تلك الأسباب؛ ذلك أن التلاوة المصحوبة بالترتيل تستدعي حُسن التأليف والإبانة والتمهل، كما تستدعي الترسُّل والتبيين من غير بغي [1] على الأصوات وطبيعتها ومخارجها، كما أنها كانت سُنّةَ النبي صلى الله عليه وسلم التزامًا بأمر الله عزّ وجلّ {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزّمّل 4] فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يمد صوته بالقراءة، ويقف عند رأس كل آية [2] .
ولا شك أن الترتيل المصحوب بتدبر وتفهم مع عِظَم ثوابه يمكن أن يقف المرتِّل على أسباب الوصف السابق للقصة بأنها أحسن القصص ومن هذه الأسباب السبك الدقيق للألفاظ والتراكيب، والحبك العجيب للدلالات، والسرد الفني المعجز للأحداث، وما فيه من القطع والاستئناف، والإيجاز والإطناب، وما فيه من حُسن التصوير ودقته وروعة خطابه وجماليات بلاغته إلى غير ذلك من الأسباب التي تبين علة الوصف التفضيلي أحسن القصص.
على أننا ونحن نتحدث عن تلقي المفسرين لا يمكن أن نغفل عن تصورهم لتلك الأسباب، فقد أجمل أبو الفرج ابن الجوزي [ت 597 ه-] هذه الأسباب على لسان بعض العلماء:"وإنما سميت قصة يوسف أحسن القصص؛ لأنها جمعت ذكر الأنبياء والصالحين، والملائكة والشياطين، والأنعام، وسِيَر الملوك والمماليك، والتجار والعلماء والرجال والنساء وحيلهنّ، وذكر التوحيد"
(1) - ابن منظور: لسان العرب - مادة رتل - 11/ 265 - دار الفكر - بيروت.
(2) - ابن قيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد - تحقيق وتعليق شُعيب وعبد القادر الأرنؤوط 1/ 326 - 327 - ط 3/ 1998 م- مؤسسة الرسالة - بيروت.