لقد أعطانا السرد القصصي في سورة يوسف صورة تفصيلية عن نبي الله يعقوب عليه السلام، وهي صورة لنفس بشرية تتنازعها العواطف البشرية جميعها، بدءًا من محبة بعض الأبناء أكثر من الآخرين، وهذا ما بدا في حواره مع ولده يوسف في بداية المشهد القصصي وعدم ائتمانه إخوته عليه، وإدراكهم لذلك وتأثير ذلك على أحداث القصة جميعها.
ومشهد الأولاد وتفضيل البعض منهم على البعض الآخر يقفنا أمام بحث كثرة الأولاد على هذا النحو، وأثر هذه الكثرة في المفاضلة؛ إذ لا شك أن سيبرز البعض منهم في صورة محببة لقلب الأب وعينه، خاصة بما يملك من الملكات التي لا يملكها الآخرون، وقد كان يوسف - خاصة - وأخوه هما هذا البعض الذي ملك على الأب قلبه وعقله، ومن ثمة كانت الكراهية من غيرهما من الإخوة {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [يوسف 8] وكانت من ثم بداية الأزمة في القصة، وليس يجدر بنا ونحن نعرض لهذا الموقف الأبوي أن نطَّرح من ذهننا رفض النبي صلى الله عليه وسلم التمييز بين الأولاد فقد رويَ عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ"أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَ ابْنًا لَهُ غُلَامًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشْهِدُهُ فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ هَذَا قَالَ: لا. قَالَ: فَارْدُدْهُ" [1] ومن ثمة كانت التسوية بين الأولاد واجبة عند أهل العلم حتى إن البعض ذهب إلى وجوب التسوية بينهم حتى في التقبيل، والعلة في ذلك واضحة وهي عدم وقوع الكراهية بين الأولاد، واشتداد العداوة التي قد يجني الأب عواقبها حال حياته مثلما حدث مع يعقوب عليه السلام.
كما تبرز شخصية يعقوب عليه السلام النبي المستسلم لأمر الله تعالى، المتسامح مع أخطاء بنيه في حقه، صاحب العزيمة والإصرار رغم ما بدر منه من ضعف ووهن وكثرة بكاء أذهب بنور عينيه، ثم هو إلى جانب ذلك النبي المرسل الموحى إليه، فقد قال لولده {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ? إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يوسف 5] وفي هذا السياق يقول القاشاني: إن"هذا النهي من الإلهامات المجملة، فإنه قد يلوح صورة الغيب من المجردات الروحانية في الروح، ويصل أثره إلى القلب، ولا يتشخص في النفس مفصلًا حتى يقع"
(1) - الترمذي: سنن الترمذي - تحقيق الألباني وعناية مشهور بن حسن آل سلمان - ص 322 - ط 1/ 1417 ه- - مكتبة المعارف - الرياض والحديث في صحيح مسلم كتاب الهبات باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة.