عزيز مصر بعدما ظهرت براءته على ألسن النسوة وامرأة العزيز، إن الملك بعدما سمع من ساقيه تأويل يوسف للرؤيا، ذلك التأويل الذي صادف قبولًا من الملك إذ كان يتوقع حدوث شيء ما، فلما جاءه التأويل أثلج صدره، وأمر الملأ - الساقي - أن يأتوه بيوسف عليه السلام، وعندما يذهب إلى يوسف وسأله تلبية دعوة الملك إلا أن تبين براءته، ويظهر طهره وعفافه، لقد قال يوسف للساقي: {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ? إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف 5.] لتجيء البراءة، أو تتولد من رحم السجن والمأساة، وتفرخ مستقبلًا جديدًا ومكانة سامقة في سماء مصر، ومكانة أثيرة عند ملكها.
ليس القص القرآني إلا صورة نموذجية لفن القص في أي زمان ومكان، ولم تكن هذه الصورة النموذجية من وحي عصبية دينية نحن حقيقون بها، وإنما هو حقيقة فنية يستطيع كل قارئ منصف أن يصل إليها دونما ميل أو انحراف، وقد رأينا شيئًا من ذلك في بعض الآليات السردية التي عرضنا لها فيما سبق، ونعرض لها كذلك فيما يتعلق ببناء الشخصية القصصية في هذه القصة الكريمة؛ فقد قدمت السورة الكريمة مجموعة من النماذج البشرية التي جسدت أحداث القصة، وأعطت المتلقي صورة حية لمجموعة من الشخصيات التي سبرت أغوارها النفسية، وكان التركيز على رسم البعد النفسي للشخصية من الأهمية بمكان في سياق القصة؛"لأن هذا البعد هو حقيقة الإنسان وجوهره وسره المكنون، ومكمن طاقاته وقدراته ومنطلق سلوكه وخوضه لغمار الحياة ومعترك الأحداث" [1] .
كذلك رسمت القصة ردة الأفعال الاجتماعية للشخصية، وأثر هذه الردة على الحدث القصصي، ودورها في الأزمات أو العُقد التي رسمت مراحل القصة الكريمة مع كل الشخصيات التي جاءت في سياقها وهذا ما نحاول أن نقدمه هنا من خلال إلقاء الضياء على تناول السورة لبعض شخصياتها.
(1) - د/ أحمد نوفل: سورة يوسف: دراسة تحليلية ص 127 - ط 1/ 1989 م- دار الفرقان - الأردن.