بينما الحلم يطلق على ما يمكن أن يكون فيه الخير أو الشر، أو يطلق على ما لا يقع، فالأحلام: جمع حلم، وهو ما يراه الإنسان في نومه مما يصح ومما يبطل [1] .
وعند هذه اللحظة تتحول الرؤيا التي أبعدت يوسف عن أبيه وأشعلت العداوة له من إخوته، تلك الرؤيا التي أفرحت ساقي الملك وأحزنت خازن الملك على طعامه، أقول إن تلك الرؤيا هي التي ستحمل بشارة البراءة ليوسف عليه السلام، فقد جاء ساقي الملك ليسمع رؤيا مليكه، ويسمع فشل الملأ في تأويلها، ليتذكر يوسف صاحبه في السجن بعد بضع سنين كان يوسف قد طلب منه أن يذكره عند الملك؛ لينظر حاله وبراءته، ولكن الساقي نسي ما طلبه يوسف منه.
لقد ذهب الساقي إلى يوسف عليه السلام ليقول له: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف 46 - 49] ومرة أخرى نقف عند عملية القطع والاستئناف في السرد؛ إذ كان من المتوقع بعدما قال الساقي للملأ أو للملك: إني أملك تأويل رؤياكم، فأرسلوني إلى السجن حتى أقابل يوسف وأقص عليه الرؤيا فيؤولها كما أوّل رؤيا من قبل، ثم أعود إليكم مرة ثانية.
لقد تجاوز السرد كل هذا الحوار المتوقع؛ لأنه لا طائل من ورائه يخدم الحدث، وإنما تم القطع والاستئناف، ليقف بنا عند وصوله إلى يوسف، وقد أعرض صفحًا عن الأحاديث والأحداث التي حدثت للساقي من لحظة إبداء العون، إلى لحظة لقيا يوسف، وعندها يتم تسريع الحدث؛ إذ لم يقف السرد عند ما يتوقع أن يسأله يوسف عن صاحب الرؤيا وعلة الرغبة في التأويل، وإنما يسارع في تأويلها مباشرة إذ قد ألهمه الله تعالى الحدث والتأويل والتعليل والتوجيه للنجاة من الأزمة المنتظرة، وذلك على غير ما هو مراد من طالب الاستعبار وأصحابه الذين أرسلوه، بيد أننا أمام حدَثٍ جللٍ يستدعي تكاتف كل الجهود المواجهة والمجابهة، إنه الحرص على الجميع، وليس على الفرد.
ولأن الأحداث تتبع طريق العَلِّيَّة نجد التعليل الرابط بين الذهاب إلى يوسف وتعبير رؤيا الملك وتحقق - من ثم - براءة يوسف وخروجه من السجن، ليتقلد أعلى المناصب في مصر إذ يصير
(1) - ابن الجوزي: زاد المسير 4/ 177.