الصفحة 17 من 28

كان فيهم مَن لا يصح له رؤيا، وفيهم مَن تصح رؤياه، ثم من يصح له ذلك، منهم من يرشح أن يلقى إليه في المنام الأشياء العظيمة الخطيرة، ومنهم من لا يرشح له ذلك؛ ولهذا قال اليونانيون: يجب للمُعبِّر أن يشتغل بعبارة رؤيا الحكماء والملوك دون الطغام؛ وذلك لأن لهم حظًّا من النبوة" [1] ولعل هذه الأقسام قد رأيناها في سياق القصة القرآنية."

الرؤيا الأولى كانت مظهرًا من مظاهر المتوقع من إخوة يوسف ناحيته حيث يرى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر ساجدين له، ولأن أباه نبيٌّ، فإنه قد أدرك مغزى الرؤيا دون أن يؤولها لولده الصغير غير أنه ينصحه بألا يقصها على إخوته؛ حتى لا يكيدوا له كيدًا وأذًى؛ لأنه يعرف بغريزة الأب موقف إخوته منه، ومن ثمة كانت هذه الرؤيا فاتحة الشرور وبابًا ولجت منه الأزمات إلى حياة يوسف وأبيه يعقوب عليهما السلام، وإن كان تأويل هذه الرؤيا قد كان الخاتمة للسرد القصصي فيها تلك الخاتمة التي شهدت اجتماع الشمل وذهب الأحزان.

والرؤيا الثانية، فهي رؤيا الفتيين صاحبيْ يوسف في السجن تلك الرؤيا التي فسرها يوسف لهما، وارتد تفسيره فرحًا وسعادة على الذي رأى أنه يعصر خمرًا، بينما كانت حزنًا وغمًّا على الثاني الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، إذ كان التأويل أن الأول سيخرج من السجن ويعود إلى سقاية الملك، بينما كان الثاني قد حُكم عليه بالإعدام، يصلب فتأكل الطير من رأسه.

أما الرؤيا الثالثة، فقد كانت رؤيا الملك تلك التي قصها علينا القرآن الكريم في قول الله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ? يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف 43] بيد أن الملأ لم يكونوا يملكون تأويل مثل هذه الرؤيا التي أهمت ملكهم وأدرك أنها واقعة لا محالة، ومن ثمة قالوا لملكهم إنها أضغاث أحلام، فهي أحلام كاذبة أو أخلاط أحلام، ولا قدرة لهم على تأويل هذه الأحلام، وربما كان التنويع بين الرؤيا في قول الملك والأحلام - مرتين - على لسان الملأ ما يستدعي المفارقة بين الرؤيا والحلم، إذ يستعمل أولهما لما فيه الخير، أو لما هو متوقع الحدوث،

(1) - الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة - تحقيق د/ أبو اليزيد أبو زيد العجمي ص 146 - 147 - ط 1/ 2 .. 7 م - دار السلام - القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت