الصفحة 16 من 28

كذلك يمكن الإشارة إلى طريقة السرد والبنية الفنية التي امتاز بها النص القصصي بدءًا من الحبكة التي تقوم"بوظيفة إيجاد قصة واحدة من أحداث متعددة، أو إذا شئت تحول الأحداث العرضية الكثيرة إلى قصة واحدة، ومن هذه الناحية فإن الحدث ليس مجرد شيء عابر أعني أنه أكثر من مجرد شيء يحدث وكفى بل هو ما يسهم في عملية السرد، مثلما يسهم في بدايتها ونهايتها" [1] ومن هذا المنطلق نرى أن القصة الكريمة تقوم"على حبكة معجزة تتجلى فيها العلِّيَّة السببية بصورة الكمال المطلق، بحيث تفضي كل جزئية إلى الجزئية التي تليها، وهذا ما يؤدي إلى تسلسل منطقي في أجزاء السورة كلها، ولا يكون هذا التسلسل إلا بتوفر شرط أساسي في العمل الأدبي إطلاقًا يتمثل في الوحدة الموضوعية" [2] .

ومما يجلي هذه الوحدة الموضوعية ارتباط القصة بفكرة الأزمة أو المحنة، فإنه بالرغم مما كانت النهاية السعيدة لمعظم شخصيات القصة، فإن الجميع وبلا استثناء قد مرّ بمحن تكثر مع البعض وتقل مع البعض الآخر، وقد تزداد حدتها مع هذا أو تخفت مع هذا، إلا أن الإطار العام للسرد فيها أن الشخصيات جميعها قد بدت مأزومة، والأزمة تستدعي انفراجة أو حلاًّ هو ما أتتْ به نهاية القصة.

ومما يجلي هذه الوحدة الموضوعية ارتكاز البنية السردية على آلية فنية دلالية هي آلية الرؤيا - الحلم - بعالمها الرحيب الذي يتجاوز حدود الواقع والمألوف والمعيش إلى ما بندرج تحت أردية الخيال أو غير المتوقع وغير المألوف، في مدة زمنية لا تستغرق بضع ثوانٍ، أو ربما تجاوزتها إلى دقيقة أو اثنتين، وفي سياق هذا الحيز الزمني القصير قد تتعدد الأماكن وتكثر بحيث يستحيل الجمع بينها في إطار العالم المعيش، وهذا ما رأيناه في مشاهد الرؤيا الواردة في القصة.

إن الرؤيا وعلمها مما يدخل في باب الفراسة"والرؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة، والله تعالى يتعالى عن الباطل، وهي ضربان: ضرب - وهو الأكثر - أضغاث أحلام وأحاديث النفس من الخواطر الرديئة؛ لكون النفس في تلك الحال كالماء المتموج الذي لا يقبل صورة، وضرب - وهو الأقل - صحيح وذلك قسمان: قسم لا يحتاج إلى تأويل، وقسم يحتاج إلى تأويل، ولهذا يحتاج المُعَبِّر إلى مهارة ليفرق بين الأضغاث وبين غيرها، وليميز بين الكلمات الروحانية والجسمانية، ويفرق بين طبقات الناس؛ إذ"

(1) - بول ريكور: الوجود والزمان والسرد - ترجمة سعيد الغانمي ص 41 - ط 1/ 1999 م - المركز الثقافي العربي.

(2) - آمنة عشاب: الحبك المكاني في السياق القصصي القرآني - سورة يوسف نموذجًا ص 88 - رسالة ماجستير - كلية الآداب واللغات - جامعة حسيبة بن بو علي بالشلف 2 .. 6/ 2 .. 7 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت