هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك؛ خوفًا من الله ورجاء ثوابه" [1] ."
وبالرغم من اختياره راغبًا السجن وهو محنة جديدة وضرر آخر يتعرض له، فإنه أخف الضررين؛ حيث كان فاتحة خير عليه، فقد صار قريبًا من المسجونين ومن صاحب السجن جميعًا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان السجن فترة لاذ فيها بالعبادة والتقرب إلى ربه مما حبب فيه زملاء السجن وصاحبه، هذه المحبة التي دفعته نحو الحديث عن ربه المعبود ودينه وآبائه عليهم السلام، وهو ما كان له الأثر الطيب على رفاق السجن، خاصة عندما كان ينبئهم بما يأتيهم من الطعام، كما كان السجن فاتحة لوصول يوسف عليه السلام إلى المكانة العليا في الدولة المصرية حيث صار عزيزها بعد تأويله رؤيا الملك، وتوجيهاته بكيفية مواجهة الأزمة المنتظرة.
وعندما نجيء إلى خاتمة القصة أو نهايتها نجدنا نعود إلى لحظة البدء حيث الإشارة إلى رؤيا يوسف عليه السلام التي قصها على أبيه يعقوب {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف 4] هذه الرؤيا يتم تأويلها في نهاية القصة عندما يرفع أبويه على العرش ويخرون له ساجدين {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ? وَقَالَ يَا أَبَتِ هَ-ذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ? وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ? إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ? إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف 1 .. ] وينتهي سرد القصة عند هذا المشهد المهيب وكأننا أمام سرد أبي مغلق يبدأ من حيث ينتهي أو أن النهاية قد كانت تفسيرًا أو تأويلًا للبداية.
وعند هذا المشهد نرجع إلى تعليل قصة يوسف عليه السلام بأنها أحسن القصص مستعيدين ما ذكره القرطبي في التعليل بأن كل مَنْ ذُكر فيها كان مآله إلى السعادة بدءًا من صاحب القصة نفسه يوسف عليه السلام، فإنه رغم كل المآسي التي تعرض لها، كان مصيره في النهاية السعادة، وكذلك أبوه يعقوب عليه السلام، إذ انتهت كل محنه بالسعادة الماثلة في اجتماع الشمل، وارتقاء ابنه الأثير أرقى المناصب في مصر والأمر كذلك بالنسبة لإخوته الذين تم العفو عنهم واستغفار أبيهم له، والملك وامرأة العزيز.
(1) - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم - تحقيق مصطفى السيد محمد ورفاقه 8/ 38 - 39 - ط 1/ 2 ... م - مؤسسة قرطبة ومكتبة أولاد الشيخ للتراث - الجيزة - مصر