الصفحة 14 من 28

بما يسوؤها ويسوؤه، ولكن بدون تصريح بهذا العدوان - شأن العاشق مع معشوقه - حتى لا يسعى زوجها في التخلص منه بالطريقة التي يراها، وفي الوقت نفسه إفهام يوسف عن طريق مباشر بأن أمره بيدها لا بيد زوجها وأنها هي الآمرة الناهية، فعليه أن يخضع لما تريده منه، وإلا فالسجن أو العذاب الأليم هو مصيره المحتوم" [1] وليس من الممكن إغفال طبيعة الخطاب القرآني، وتعبير المرأة الذي يدل على التدلل، وإظهار المرأة أمام زوجها بمظهر المعتدَى عليها."

إن هذا الاستفهام المتوسل بالتكنية - سوءًا - لم يستبعد الدلالة المرادة منه تلك الدلالة التي سارع يوسف عليه السلام بتأكيدها من خلال نسبة فاعلية المراودة للمرأة وليس له هو - هي راودتني عن نفسي - ومن ثمة كان لابد من دخول آلية محددة للتحكيم بين المدَّعي والمدَّعَى عليه، هي آلية لم يتم الإعداد لها سلفًا من قِبَل المدَّعِيَة، وإلا ضاعت الحقيقة في غمرة السلطة وسمعة أربابها، الذين كانوا طرفًا أساسيًّا في القضية، وإنما يشهد شاهد من أهلها - امرأة العزيز - هذه الشهادة الغرزية المرتبطة بفطرة من نطق بها - الطفل الصغير على ما جاء في كثير من التفاسير - وهي حجة مستوحاة من الاتهام نفسه بالمراودة التي يرتبط بها فعل القدّ أو قطع القميص، هذا القطع الذي يتراوح بين الأمام والخلف، الأول منهما يؤكد فاعلية الرجل المتسم بالقوة لقوة الفعل قُدَّ، بينما الخلف يؤكد فقدان الفاعلية تلك وانتقال نسبتها إلى المرأة، وذاك ما استقر عليه حكم الشاهد {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ? إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف 28] .

وعندما يستقر أمر العزيز وأهله على إيداع يوسف السجن نجده يتعرض لمأساة جديدة، صحيح أن تجربة السجن التي مر بها يوسف عليه السلام كانت أخف الضررين بالنسبة إليه؛ لأن الإكراه على اقتراف الرذيلة أعظم عنده من السجن، ومن ثمة كان دعاؤه {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ? وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف 33 - 35] ليكون له مفرًّا من هذا الجو المهيِّئ لارتكاب الرذيلة، وقد"عصمه الله عصمة عظيمة، وحماه، فامتنع منها أشدّ الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله، تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر وهي مع"

(1) - د/ محمد سيد طنطاوي: القصة في القرآن الكريم - سابق - 1/ 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت