حيث يتم تنشيطها، والتعبير عنها لفظيًّا وهو ما دفع بنيه ليلقوا عليه باللوم، وما سيصير إليه حاله من الحرض أو الهلاك بسبب استمراريته في ذكر يوسف عليه السلام.
وعندما يعرج السرد القصصي القرآني على قصة الغواية أو قصة المراودة التي قامت بها امرأة العزيز باعتبارها القصة المحورية في السورة الكريمة؛ لأنها تشتمل على مجموعة من المآسي أو الابتلاءات التي اعترضت سيرة يوسف عليه السلام، أقول إن تعريج النص الكريم على قصة المراودة إنما هو استدعاء لمأساة يوسف عليه السلام، وهي حقد الآخرين وحسدهم إياه على ما خوله الله تعالى من النعم.
فامرأة العزيز تُعجب بجمال يوسف عليه السلام وتتوله في حبه تولُّهًا يدفعها إلى الانحراف عن جادة الصواب والعُرف الاجتماعي، مُغلِّبَةً الغريزة الأنثوية العارمة على الفطرة العقلية الرزينة وتلجأ إلى الحيلة والمراودة عن النفس الطاهرة؛ إرواءًا لغريزة افتقدت أدنى درجات التعقل والتحلم البشري، وعندما تجابَه بالرفض الصارم المنقذ لها من اقتراف الرذيلة وخيانة الزوج بستولي عليها شيطانها، ويدفعها إلى التمادي في الغيّ حتى الوصول إلى حتمية الانتقام من هذا الذي رفض إرواء غريزتها وهو ما يضعنا أمام المأساة الثانية التي يستدعيها مشهد المراودة الشهير.
لقد انتهت المراودة المخفية داخل الجدران المغلقة بأن قدّت المرأة قميص يوسف من الخلف، ثم تستنجد بالعزيز وأهل بيته للقصاص لها من هذا الذي أراد بأهله السوء، وهنا نجد يوسف عليه السلام في موقف لا يُحسَد عليه، فهو أمام جريمة لم يقرفها، واتهام لم يكن ليحب أن يوصم به أمام سيده العزيز الذي أحسن إليه، وذلك ما يدفعنا إلى اعتبار هذه المأساة مأساة معنوية بالدرجة الأولى؛ لأنه لم يُتهم في خلقه وعفته وحدها، وإنما اتهم في أمانته، وعدم رعايته حق الجميل الذي أولاه إياه عزيز مصر؛ ومن ثمة كانت مسارعته بإلقاء تهمة المراودة عن نفسه، ونسبتها إلى المرأة - هي راودتني عن نفسي - وانطلاقًا من توظيف الإيجاز والحذف والاستئناف في سرد القصة نجد الذكر الحكيم لا يلتفت إلى قول المرأة أو ردها على اتهام يوسف لها بفاعلية المراودة، إذ كان المنتظر أن تقول: بل هو مَنْ راودني عن نفسي، لكن السرد هنا لم يلجأ إلى ذلك اعتمادًا على مقولتها الاستفهامية السابقة {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف 25] .
وعندما نقف أمام هذا الاستفهام القرآني على لسان المرأة، ندرك ما لها من قدرة"على المكر والدهاء، ومن مظاهر ذلك محاولتها إيهام زوجها بأن يوسف - عليه السلام - قد اعتدى عليها"