الصفحة 12 من 28

المكظوم في ولده، وإنما من أخيهم الذي سبب لهم - كما اعتقدوا - كل هذا الحرج، ومن ثمة فإنهم {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف 85] وهذا في الواقع فيه من التقريع واللوم ما فيه بحيث كأنما يريدون أن يلفتوا نظره إلى أهمية الكف عن تذكر يوسف وما حدث له؛ لأن هذا التذكر كان السبب فيما وقع من أمر يوسف وبعده عن أبيه، ولك أخوه بنيامين.

وثانيهما: عندما كشف لهم يوسف عليه السلام عن نفسه، بعدما ذكّرهم بما فعلوه في يوسف وأخيه، عند ذلك لم يملكوا إلا أن {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف 91] ولعل قولهم {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} ليشير إلى اعترافهم بالخطأ انطلاقًا من أنَّ الدالة إنْ هنا مخففة من الثقيلة للزوم خبرها اللام [1] والتقدير على ألسنتهم: إنا كنا خاطئين، أو: ما كنا إلا خاطئين.

ورغم ذلك فإننا نجد في هذا الموقف دلالة على الأنفة والكِبْر عن التأكيد الظاهر على الإقرار بالخطأ، بالتجائهم إلى إنْ المخففة التي قد تستدعي معنى الشك الذي يمكن استفادته مما"قيل لابن عباس: كيف قالوا {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} وقد تعمدوا لذلك؟ قال: وإن تعمدوا لذلك، فما تعمدوا حتى أخطئوا الحق، وكذلك كل من أتى ذنبًا تخطى المنهاج الذي عليه الحق، حتى يقع في الشبهة والمعصية" [2] وعليه كان الفارق الدلالي بين استخدامهم اسم الفاعل من الفعل الثلاثي - خاطئين - دون أن يختاروه من الفعل الرباعي - مخطئين - لأن الصيغة الأولى تستدعي تعمد ما لا ينبغي فعله، بينما تشير الصيغة الثانية المطروحة جانبًا إلى خطأ الاجتهاد دون التعمد في فعله.

وفي ثنايا هذه المواقف السردية التي مرّت بها الأحداث وجدنا بعض التكنيكات الفنية السردية التي يعتمد عليها القص القرآني عامة من مثل القطع والاستئناف والإيجاز بالحذف لمشاهد سردية قد لا تضيف جديدًا للبنية السردية، أو أنها أحداث متوقعة لدى المتلقي، ومن مثل الارتداد الخلفي من اللحظة الحاضرة إلى الماضي، ثم العودة إلى الحاضر، فيما يعرف فنيًّا بالفلاش باك، فإن فقدان يعقوب عليه السلام الابن الأصغر بنيامين في اللحظة الآنية جعله يذكر يوسف ولا يتذكره؛ لأنه ما نسيه، وتلك الحالة من الذكر إنما تقوم على التداعي المقدر بين التجارب البشرية، فالتجربة الحديثة الواقعة في بؤرة الشعور باعتبار آنيتها تستدعي نظيرتها القديمة القابعة في بؤرة الشعور،

(1) - ابن الأثير: البديع في علم العربية - تحقيق ودراسة د/ فتحي أحمد عليّ الدين - 2/ 556 - ط 1/ 1421 ه- - جامعة أم القرى - مكة المكرمة.

(2) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 9/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت