الاقتراحات الثلاثة: القتل، الطرح في أرضٍ، ثم إلقاؤه في الجُبّ، وجدناها تؤدي إلى النتيجة المرجوة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} فالغرض الأساس هو التخلص من يوسف وإبعاده عن وجه أبيه يعقوب.
وعندما نبحث في تحليل نفسيات هؤلاء الإخوة، نفيء إلى بنية الخطاب اللغوي الذي يرد فيه هؤلاء الإخوة، حيث نلاحظ أنهم انقسموا فريقين - كما يبدو - أولهما الفريق الذي يبدي المقترحات، والفريق الذي سيقوم بتنفيذ تلك المقترحات، ومن ثمة نحن أمام فريق يتسم بالرغبة في القيادة والتسلط وإصدار الأوامر / المقترحات وما يستدعيه ذلك من قوة الشخصية، والفريق الثاني المنفذ المتلقي للتعليمات والمقترحات دون أن يبدي رأيه، ويُطلب منه في الآن عينه التنفيذ، ومما يؤكد هذا الأمر - أننا أمام فريقين - أن الإخوة جميعهم قد انصاعوا لأمر القائل {لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ في غَيَابَةِ الْجُبِّ} هذا القائل الذي رجحنا من قبل أن يكون الأخ الكبير، وعليه ندرك البُعد الاجتماعي لهؤلاء الإخوة في طاعة الأخ الكبير واحترام رأيه.
كذلك يمكن الوقوف على مجموعة من الخصائص الذاتية التي ألمح إليها الخطاب القرآني في القصة منها: الغيرة المرتبطة بالحسد، ومنها القدرة على الخداع والمراوغة ومنها القدرة على الجدل وتوظيف الحجج المقنعة، ومنها كذلك إلصاق التهم بالغير وإحسان الاعتذار والتملق، ويمكن كذلك أن يكون منها الاعتراف بالذنب - وإن جاء بعد ظهور الحقيقة - وهو ما يترتب عليه الفيئة إلى الحق وطلب الصفح والغفران [1] وهو ما يُعلل ببيئة النبوة التي نشأوا فيها.
يمكننا هنا حصر الدوال اللفظية ذات المدلول المكاني الواردة في آيات السورة الكريمة على هذا النحو: أرضًا - بالتنكير الدال على العموم - الجُبّ - مصر - الأرض - بدالة العهد إشارة إلى مصر - بيتها / امرأة العزيز - المدينة - السجن - العرش، وهذه الدوال اللغوية تؤكد على بدلالتها المكانية على أن المراد هنا"المكان الطبيعي، المكان الحقيقي في الواقع الخارجي المحسوس" [2] لأن لهذه الدوال دلالات مرجعية محددة باللفظ المذكور سواء كانت الدلالة المرتبطة
(1) - د/ عمر باحاذق: الجانب الفني في قصص القرآني الكريم ص 12.- 122.
(2) - سمر روحي الفيصل: بناء الرواية العربية السورية (198.- 199.) ص 251 - ط 1/ 1995 م - اتحاد الكتاب العرب - دمشق.